*(النجاح وعتبات الفشل) عوض الكريم إبراهيم محمد*

(النجاح وعتبات الفشل)
🌴عوض الكريم إبراهيم محمد 🌴
قراءة في مشروع دواجن النيل بين منطق البناء ومنطق الغنيمة
في لحظات التحولات الكبرى في تاريخ الشعوب، لا يُقاس النجاح بحجم الإنجاز وحده، بل بقدرة المجتمع على حمايته من الافتراس. فكم من مشروع عظيم سقط لا لأنه فشل فنياً، بل لأنه وقع فريسة لأيدي العجز والطمع والعبث المقنّع بثوب السلطة. فالمعضلة الحقيقية في السودان ليست في بناء المشاريع، بل في ما يحدث دائماً بعد أن تنجح.
عندما شُيّد سد مروي، لم يكن مجرد منشأة هندسية لتوليد الكهرباء، بل كان إعلاناً رمزياً بأن السودان قادر على أن يصنع مستقبله بيده، وأن يكسر عقدة المستحيل التي لازمته لعقود. يومها لم يكن الرهان على الخرسانة ولا التوربينات، بل على الإنسان السوداني نفسه: هل يستطيع أن يحوّل الفكرة إلى واقع؟ وقد فعل. لكن المأساة السودانية الحقيقية لا تبدأ في لحظة الفشل، بل تبدأ دائماً بعد النجاح.
فالسد لم يكن مشروعاً معزولاً، بل كان محوراً لحزمة من المشروعات التنموية التي وُعد بها إنسان المنطقة تعويضاً عن الأثر الاجتماعي والبيئي والاقتصادي. مشاريع قيل إنها ستصنع تنمية حقيقية، وستحوّل المحلية إلى نموذج اقتصادي حديث. غير أن الواقع كشف أن كثيراً من هذه المشاريع إما أُفرغت من مضمونها، أو سُحبت من أهلها، أو أُدخلت في دوائر الصراع البيروقراطي والمصالح الضيقة.
ثلاثة مشاريع كانت تمثل جوهر هذه الرؤية:
أولها المدينة الطبية، التي كان يفترض أن تكون عنواناً للعدالة الصحية، فإذا بها تتحول إلى مؤسسة بعيدة عن متناول المواطن البسيط، تحت مظلة الضمان الاجتماعي، في مشهد يختصر كيف تتحول الحقوق العامة إلى خدمات نخبوية وأصبحت لأهل القدرة الماليه فقط
وثانيها مشروع هيئة تطوير الزراعة، المشروع الذي لو أُنجز كما خُطط له لغيّر الخارطة الزراعية في الولاية الشمالية كلها، وربط الإنتاج المحلي بالأمن الغذائي الوطني والعالمي لاكتظ مطار مروي بالطيران التجاري لكنه ظل حبيس الأوراق، أسير اللجان، ضحية الصراعات الخفية والفشل المقنن
أما ثالثها، فهو المشروع الذي ما زال صامداً حتى اليوم رغم كل شيء: مشروع دواجن النيل.
دواجن النيل ليست مشروعاً عادياً في سجل الدولة، بل هي واحدة من أندر قصص النجاح الحقيقي في الاقتصاد المحلي. منشأة أُنشئت بمواصفات عالمية، تعمل بتقانة حديثة، تحقق إنتاجاً مستقراً، وتوفر فرص عمل، وتخلق دورة اقتصادية حقيقية في المحلية. مشروع تجاوز مرحلة التجريب، ودخل مرحلة الاستقرار والربحية والتأثير وما قدم لهذه المشروع من دعم للمحليه يفوق التصور والأهم من ذلك: أنه مشروع نجح لأنه أُدير بعقل مهني، لا بعقل سياسي. أُدير برؤية، لا بالمجاملات. وبكفاءة، لا بالمحاصصة.فالرجل الامة والهميم الباش مهندس معتصم كان له الدور الكبير في النقله النوعيه للمشروع
وهنا تحديداً تبدأ المشكلة. في السودان، النجاح لا يُكافأ بل يُستهدف، والمشروع الناجح لا يُحاط بالحماية بل يُحاصر بالطامعين واهل المصالح ( والحسد فنون وجنون) والمؤسسة التي تقف على قدميها لا تُدعَم بل يُبحث عن طريقة للسيطرة عليها. فما إن أثبت مشروع دواجن النيل نجاحه حتى تحركت حوله دوائر النفوذ، لا لتطويره، بل للاستحواذ عليه. لا لتوسيعه، بل لتقسيمه. لا لإضافة قيمة، بل لإعادة توزيع الغنيمة.
الخطاب الذي نسمعه اليوم من الجهات الساعية للسيطرة على المشروع خطاب خالٍ من أي مضمون تنموي حقيقي. لا نسمع عن خطة إنتاج، ولا عن استراتيجية توسعة، ولا عن ربط بالسوق الإقليمي، ولا عن تصنيع غذائي متكامل. كل ما نسمعه حديث عن نسب وأنصبة ومجالس إدارة ومواقع سلطوية. حديث عن السلطة لا عن التنمية، وعن السيطرة لا عن التطوير، وعن من يملك لا عن من ينتج.
وهنا السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة: ما هو التاريخ العملي لهذه الجهات في إدارة المشاريع؟ أي مؤسسة استلموها ونجحت؟ أي مشروع قادوه وتحول إلى قصة نجاح؟ وأي تجربة حقيقية يملكونها في الاقتصاد الإنتاجي؟ الجهات التي فشلت في حماية الموسم الزراعي، وعجزت عن ضبط علاقة المزارع بالبنوك، ولم تستطع فك أسر المنتج من الديون والملاحقات، ولم تضف شبراً واحداً حقيقياً للإنتاج، هي نفسها اليوم تدّعي أنها الأجدر بإدارة مشروع ناجح ومستقر مثل دواجن النيل.
وهنا نحن لا نناقش نوايا، بل نقرأ واقعاً. ولا نحلل أشخاصاً، بل نقيم أداءً. ولا نمارس خصومة سياسية، بل نطرح سؤال كفاءة ومسؤولية. أخطر ما في هذا الصراع أنه ليس صراع أفكار، بل صراع نفوذ. ليس نقاشاً حول مستقبل المشروع، بل سباق على من يضع يده عليه أولاً. صراع لا علاقة له بالمواطن، ولا بالمجتمع المحلي، ولا حتى بالاقتصاد الوطني.
وهذا هو التعريف الدقيق للفشل المقنّع: أن يعجز الإنسان عن صناعة النجاح فيسعى لوراثته، وأن يفشل في البناء فيحاول الاستيلاء على ما بناه غيره، وأن لا يملك رؤية فيستبدلها بالسلطة. وهنا نصل إلى جوهر القضية: مشروع دواجن النيل ليس ملكاً لمكاتب بعيدة، ولا لغرف مغلقة، ولا لتوازنات سياسية عابرة. هو مشروع وُجد في أرض هذه المحلية، وبعرق أهلها، وبأثرها الاجتماعي، وبحقها التاريخي في التنمية.
وأي محاولة لفصل المشروع عن بيئته الاجتماعية هي جريمة اقتصادية وأخلاقية مكتملة الأركان، وأي إدارة لا تنطلق من إنسان المحلية مصيرها الفشل مهما امتلكت من صلاحيات، وأي مشروع لا يشعر أهله أنه مشروعهم سيتحول عاجلاً أم آجلاً إلى جسم غريب. هذه المحلية ليست هامشاً في خريطة الدولة، وليست رقماً في جدول إداري، وليست مساحة بلا وعي أو إرادة. هذه المحلية التي حسمت التمرد خلال أربعٍ وعشرين ساعة، قادرة أن تحسم معركة الاقتصاد أيضاً. وهذه المحلية التي وقفت مع الدولة في أحلك الظروف، لن تقبل أن تُدار مواردها بعقلية الغنيمة.
ورسالتنا إلى إنسان المحلية أن هذه اللحظة ليست لحظة حياد ولا وقت صمت ولا مجال للمراقبة من بعيد، بل لحظة وعي تاريخي تتطلب أن تتكاتف الجهود وأن يتحد الجميع من أجل حماية هذا المشروع الحيوي والاستراتيجي الذي يعود بالنفع المباشر على إنسان المحلية واقتصادها ومستقبل أبنائها. إن مشروع دواجن النيل ليس ملكاً لأفراد ولا غنيمة لصراعات النفوذ، بل حق أصيل للمجتمع المحلي، والتفريط فيه أو الصمت على العبث المحيط به هو تفريط في مورد اقتصادي نادر وفي تجربة ناجحة قلّ أن تتكرر في واقع السودان.
ونقولها بوضوح كامل لا يحتمل التأويل: إن الإدارة الحالية، بقيادة الباشمهندس معتصم، هي التي أحدثت النقلة النوعية الحقيقية في هذا المشروع. هي التي نقلته من مجرد منشأة إنتاجية إلى عمود اقتصادي فعلي. هي التي أثبتت أن الإدارة المهنية الواعية قادرة على صناعة النجاح حتى في بيئة معقدة ومليئة بالعوائق. وعليه فإن الحفاظ على هذه الإدارة ليس دفاعاً عن أشخاص، بل دفاع عن منطق النجاح نفسه، وعن فكرة أن الكفاءة يجب أن تُحمى، وأن الإنجاز يجب أن يُصان، وأن التجربة الناجحة لا يجوز العبث بها تحت أي مبرر سياسي أو إداري.
يجب أن يكون صوت إنسان المحلية عالياً، واضحاً، لا لبس فيه. صوتاً يقول: هذا مشروعنا، وهذه مواردنا، ولن نسمح أن تنتقل إنجازاتنا إلى أيدي آخرين لم يصنعوها ولم يتعبوا فيها. فالسكوت في مثل هذه اللحظات خيانة للتاريخ، والحياد انحياز للفشل، والصمت تفويض مفتوح للعبث.
واخيرا بكل وضوح لا لبس فيه إن ما يجري حول مشروع دواجن النيل اليوم ليس مجرد خلاف إداري عابر، بل اختبار حقيقي لإرادة المجتمع المحلي وقدرته على حماية مكتسباته. فإما أن نكون أصحاب قرار في مواردنا، أو نتحول إلى مجرد متفرجين على تاريخ يُصنع خارج إرادتنا. إن هذه الأرض التي أنجبت الرجال، وقاتلت التمرد، وصبرت على التضحيات، لن تقبل أن يُدار مستقبلها من خلف المكاتب، ولن تسمح أن تُختطف إنجازاتها تحت أي مسمى.
وعليه فإننا نحمّل إنسان المحلية مسؤولية تاريخية كاملة: مسؤولية الوعي، ومسؤولية الموقف، ومسؤولية الدفاع عن الحق الاقتصادي كما دافع عن الأرض من قبل. فليكن الصوت واحداً والموقف واحداً والكلمة واضحة: دواجن النيل خط أحمر. نجاح لا يُمس، وإدارة لا تُعبث، ومورد اقتصادي لا يُسلَّم إلا لأهله.
فالنجاح الذي لا يُحمى يُغتال، والمشروع الذي لا يدافع عنه أهله يُختطف، والتنمية التي لا تُدار بعقل إنتاجي تتحول إلى مسرح صراع. وما يحدث اليوم حول دواجن النيل ليس صراع إدارة، بل اختبار أخلاقي للدولة نفسها: هل تقف مع من بنى ونجح، أم مع من فشل ويريد أن يرث؟
الجمعة 23 يناير 2026
مروي – تنقاسي الرويس

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole