قضية نهوض الصين وعلاقتها مع الغرب تدخل في صميم الخلافات المتصاعدة بين أوروبا وأمريكا. فأمريكا تري ان الصين منافس خطير لابد ان يتحول لعدو استراتيجي يهدد قبضتها على العالم،(حاليا يتفق الحزبان الجمهوري والديمقراطي على تصنيف الصين كعدو) (حتمية ثيوسيديديس)(راجع مقالى عن الحتمية بتاريخ ٥ يوليو ٢٠٢٤)، خلافا لذلك تري اوروبا ان الصين شريك تجاري لا أطماع سياسية له في أوروبا ولا يحمل ايدولوجيا أممية لنشرها، كما أن أوروبا خلافا لأمريكا لم تعد مهيمنة على العالم حتى تقلق من تهديد الصين لهيمنتها.
السبب الثانى لتأزم العلاقة بين امريكا و اوروبا هو التنافس الحاد على الموارد الطبيعية. من وجهة نظر أمريكا فعلى المدي البعيد؛ ضعف أوروبا اقتصاديا وتراجع صناعاتها يقلل التنافس على الموارد، ليصبح بينها وبين الصين، وذلك يحسّن من فرص أمريكا في الحصول على الموارد الخام التى كانت تذهب لأوروبا. بمعنى آخر، كلما أضعفت أمريكا فرص أوروبا في الحصول على الموارد، كلما حسنت فرصها في الحصول عليها.
اما الأمر الثالث فيتمثل في صراعات أمريكا والتحديات الماثلة مع الصين وليست اوروبا جزء منها. فمثلا، موضوع جزيرة تايوان، و قضية السيطرة على بحر الصين الجنوبي و الخلاف مع الفلبين المستعمرة الامريكية السابقة، الى جانب تحدى كوريا الشمالية وثيقة الصلة بالصين وسلاحها النووى وتهديدها لليابان حليفة امريكا، بجانب ذلك هنالك التراكمات التاريخية المؤلمة بين الصين واليابان التى رغم ما بذل من جهود لمعالجتها لا تزال تختمر تحت السطح اضافة لنزاع الدولتين حول جزر سينكاكو، مع التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن اليابان (اتفاق عام ١٩٦٠).
في واقع الامر لا تشكل هذه القضايا اهتمامات أساسية للاوروبين وليس لهم فيها دور يذكر وربما يقتصر دورهم على الدعم السياسي للموقف الامريكي في المحافل الدولية.
مع صعود الصين وتحول كوريا الشمالية الى دولة نووية أصبحت هذه القضايا تمثل أولوية لامريكا أكثر من مواجهة المخاطر الامنية التى تشكلها روسيا على أوروبا خاصة بعد انهيار الشيوعية.
عملت أوروبا مدعومة من امريكا على مدى نصف قرن على مقاومة روسيا الشيوعية حتى تفككت، لكن فات على اوروبا ان انهيار روسيا الشيوعية سيقتضي بالضرورة إعادة ترتيب الاستراتيجيات الامنية بما فيها تلك التى اتفق عليها بعد الحرب العالمية الثانية (حلف الناتو)، وان إعادة ترتيب الاستراتيجيات يحتم وبدرجة كبيرة فك الارتباط الامنى الوثيق بين اوروبا وامريكا فحلف الناتو تكون أساسا للدفاع عن أوروبا ودرء مخاطر الاممية التى كانت تقودها روسيا الشيوعية وحلفائها في حلف (وارسو). و هكذا، بعد تفكك امبراطورية روسيا وزوال الخطر الشيوعي على اوروبا، فقد حلف الناتو اهم مبررات تكوينه وأصبحت منظمة يصرف عليها اعضائها ميزانيات ضخمة تبحث عن هدف يبرر بقائها واستمراريتها.
أشار الرئيس ترمب الى تكلفة الصرف على الناتو عدة مرات وطالب الاوروبيين بزيادة مساهمتهم. كما يمكن الاشارة أيضا الى موقف الحلف من الحرب الاوكرانية، حيث اختار دور المنسق لجهود الدول الأعضاء الداعمة لاوكرانيا ولم ينهض لمواجهة روسيا كتحالف عسكري! هذا الموقف يكشف بجلاء التناقض في الرؤية الاستراتيجية لدور الحلف بين اوروبا وامريكا. تري هل كان الحلف عاجزا عسكريا عن مواجهة روسيا ام لماذا فضل اعضاؤه ان يلعب دور المنسق فقط! وهل يحتاج دور المنسق لحلف تصرف عليه مئات البلايين من الدولارات سنويا..!
في البحث عن توفير مبررات لاستمرار الحلف اهتدى دهاقنة الامبريالية لخطة اسموها “مكافحة الارهاب” من خلال تكوين ودعم منظمات ارهابية ثم الإستدارة عليها ومحاربتها، لكن لسوء حظهم لم تساعد الخطة والحروب المختلفة التى جرت على أساسها في ايجاد مبررات كافية لاستمرار الحلف.
مثلا في الحرب على طالبان العام ٢٠٠١، لم يتولي الحلف قيادة الحرب الا بعد عامين من اندلاعها بقيادة الولايات المتحدة، رغم ان الحلف كان قد فعّل و لأول مرة في تاريخه، المادة الخامسة من ميثاقه بعد هجوم 11 سبتمبر 2001 على امريكا. تنص المادة على اعتبار اى هجوم على اى عضو في الحلف هجوما على جميع الاعضاء.
اما في الحرب التى شنتها امريكا على العراق، فقد فشلت امريكا في شن الحرب باسم الحلف وذهبت ومعها المملكة المتحدة منفردتين دون موافقة الحلف و دون قرار من مجلس الامن. اكثر من ذلك، عارضت عدة دول اعضاء في الحلف كفرنسا والمانيا وبلجيكا وغيرها الحرب على العراق علنا.
*نشر بصحيفة اصداء
سودانية ٢٩ يناير ٢٠٢٦




