*د.الشفيع خضر سعيد لماذا تفشل ثورات السودان؟’*

ما وراء الفشل السياسي

نحو تحليل طبقي-جدلي لانتفاضات السودان
هيئة التحرير

في مقاله التحليلي المعنون “لماذا تفشل ثورات السودان؟”، يقدم الدكتور الشفيع خضر سعيد مساهمة مهمة في تشخيص أزمات المسار الثوري السوداني، مركزاً على ثنائية “أسباب هيكلية” و”أسباب ذاتية”. إلا أن هذا التحليل، رغم عمقه الوصفي، يظل حبيس الإطار الليبرالي-الإصلاحي الذي يختزل الصراع إلى معضلة في الحوكمة السياسية، متجاهلاً التشريح الطبقي-المادي للبنية الاجتماعية السودانية وأزماتها الجوهرية. تهدف هذه القراءة النقدية إلى تفكيك المقال من منظور ماركسي جدلي، ليس لإنكار ملاحظاته، بل لتجاوزها نحو فهم أعمق لطبيعة التناقضات التي تهز جسد الأمة السودانية.

1. نقد مفهوم “الدولة العميقة”: من شبكة المصالح إلى أداة الهيمنة الطبقية

يصف المقال “الدولة العميقة” كشبكة مصالح متجذرة في المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية. هذا الوصف، رغم صحته الجزئية، يظل سطحياً. فمن المنظور الماركسي، هذه الشبكة ليست مجرد تحالف بيروقراطي فاسد، بل هي الأداة السياسية المتعالية (Superstructure) للطبقة الحاكمة السودانية المركَّبة.

هذه الطبقة هي تحالف تاريخي هجين يضم:

· البرجوازية العسكرية-الأمنية: التي حولت مؤسسة الدولة إلى مشروع تراكم رأسمالي خاص عبر الشركات والمصالح الاقتصادية.
· البرجوازية الطفيلية التجارية: المرتبطة عضوياً بالسوق العالمية (الإمبريالية)، وتعمل كوسيط في عملية النهب المنظم لموارد السودان.
· البرجوازية العقارية والإقطاعية الجديدة: التي تسيطر على الأرض والموارد في الأطراف وتعيد إنتاج علاقات شبه إقطاعية.

دور “الدولة الموازية” هو حماية وتكريس علاقات الإنتاج التي تخدم هذا التحالف الطبقي. لذلك، فإن أي محاولة للإصلاح السياسي دون المساس بهذه العلاقات – أي دون تغيير نمط الملكية وتوزيع الثروة – هي محاولة لعلاج الأعراض وترك المرض. الثورة المضادة ليست مجرد “انقضاض” لحماية امتيازات، بل هي حرب طبقة مهدَّدة في صميم وجودها الاقتصادي. انقلاب 2021 لم يكن انتكاسة ديمقراطية فحسب، بل كان إعادة تأكيد عنيفة لهيمنة هذا التحالف الطبقي بعد أن هدده زلزال ديسمبر.

2. نقد “ثورات المركز”: إشكالية التركيب الطبقي للحركة الثورية

إشارة الكاتب إلى أن الثورات “ثورات مركز” تفتقد مشروعاً وطنياً جامعاً، هي من أعمق نقاط المقال. لكن التحليل الجدلي يتعدى الجغرافيا إلى التركيب الطبقي لهذه الثورات. قيادة الانتفاضات كانت دوماً في أيدي البرجوازية الصغيرة المدينية (المحامين، الأطباء، المهندسين، النشطاء) والقطاعات الأكثر امتيازاً من الطبقة العاملة (موظفو الدولة، العمالة الماهرة).

هذه الفئات، بوعيها وبرنامجها، تسعى في الغالب إلى تحديث النظام الرأسمالي التابع، وليس إسقاطه. مطالبها تركز على الحريات السياسية والحكم الرشيد، وهي مطالب مشروعة، لكنها لا تتضمن برنامجاً جذرياً لإعادة توزيع الثروة والسلطة اقتصادياً. وهذا ما يفسر سرعة تحول “تحالف الثورة” إلى “ساحة صراع على النفوذ” – فالصراع يدور على من يحكم النظام القائم، وليس على طبيعة النظام نفسه.

الجماهير الحقيقية في الأطراف – الفلاحون المعدمون، الرعاة المهمشون، سكان المدن الطرفية – الذين يحملون مطالب وجودية تتعلق بالأرض والهوية والتنمية، ظلوا مُستَخدمين كوقود احتجاجي، ثم مُقصَّين من عمليات التفاوض والتأسيس. لم تقدم قيادات المركز مشروعاً جامعاً لأن مشروعها الطبقي الضيق لا يسمح بذلك؛ فحل قضية الأرض في دارفور أو النيل الأزرق يعني مواجهة تحالف المركز العسكري-التجاري مع الإقطاع المحلي، وهو ما لا تريد البرجوازية الصغيرة الإقدام عليه خوفاً من “الفوضى”.

3. نقد “الأخطاء الذاتية”: غياب الحزب الطليعي والبرنامج الثوري

يُعرِّف المقال “الضعف المؤسسي” و”الافتقار إلى مشروع وطني” كأخطاء ذاتية. هذا صحيح، ولكنه توصيف وليس تفسيراً. التفسير الجدلي يكمن في غياب الذاتية الثورية المنظمة، أي الحزب الثوري للطبقة العاملة وحلفائها.

· القيادة “اللحظية”: لم تكن لحظية بالصدفة، بل كانت تعبيراً عن الطبيعة العفوية واللا-طبقية (أو متعددة الطبقات) للحراك. القيادة التي تنشأ من الهتاف الموحد (“حرية، سلام، عدالة”) محكوم عليها بالتفكك عند الوصول إلى الأسئلة البرنامجية، لأن الهتاف يخفي تناقضات مصالح طبقية حقيقية.
· المشروع الوطني المفقود: المشروع الوطني الحقيقي لا يمكن أن يكون تسوية بين رؤى نخبوية، بل يجب أن يكون برنامج تحرر وطني-ديمقراطي جذري، يبلوره حزب طليعي، ويحلل بوضوح:
· العدو الرئيسي: تحالف الطبقة العسكرية-الرأسمالية الطفيلية المتحالفة مع الإمبريالية.
· القائد: الطبقة العاملة المنظمة وحلفاؤها الأساسيون (الفلاحون الفقراء، المهمشون).
· الأهداف المرحلية: تفكيك سلطة العسكر الاقتصادية، إصلاح زراعي جذري، تأميم الموارد الإستراتيجية لصالح الشعب، ضمان حق تقرير المصير للقوميات المضطهدة.
· الرؤية الإستراتيجية: الانتقال من مرحلة التحرر الوطني-الديمقراطي نحو الاشتراكية.

غياب هذا الحزب وهذا البرنامج هو ما سمح للنخب التقليدية (“جزء من المشكلة”) باختطاف الثورة.

4. نقد الاستعارة التاريخية والحتمية المتفائلة: السودان في ظل الإمبريالية

الاستشهاد بالثورات الأوروبية (فرنسا، إنجلترا، ألمانيا) يحتوي على مغالطة تاريخية. تلك الثورات حدثت في مرحلة صعود الرأسمالية وكانت تقودها برجوازيات وطنية صاعدة لتحقيق مهامها التاريخية. السودان، كدولة تابعة في عصر انحطاط الرأسمالية والإمبريالية، لا يمكن لبرجوازيته الوطنية الضعيفة والمتماكرة مع العسكر أن تقود ثورة ديمقراطية جذرية.

الخيار في الدول التابعة اليوم هو أكثر حدة: إما ثورة دائمة تدفع بها الجماهير من المطالب الديمقراطية إلى المطالب الاجتماعية (بقيادة حزب ثوري)، أو الهمجية. الحرب الأهلية المدمرة التي تشتعل منذ 2023 ليست “أسوأ مما ثاروا ضده” فحسب، بل هي التعبير المكشوف والأكثر دموية عن أزمة نظام لم يحل عبر التطور الطبيعي، فانفجر عبر التفتيت العنيف.

ختام المقال بحتمية انتصار الثورة، وإن كان يهدف لرفع المعنوية، فإنه يخاطر بترويج حتمية تاريخية سلبية. انتصار الثورة ليس “مجرى موضوعياً” آتياً لا محالة. ما هو موضوعي هو تناقض النظام الذي يولد المقاومة. أما تحويل هذه المقاومة إلى انتصار، فهو مهمة ذاتية صعبة: مهمة بناء الحزب، وبناء التحالفات الطبقية، وصياغة البرنامج، وتنظيم القوة. بدون هذه الذاتية المنظمة، ستستمر الدورة: انتفاضة، انتكاسة، حرب، ثم انتفاضة جديدة على أنقاض أكثر مرارة.

تحليل الدكتور الشفيع يضيء مساحات واسعة من مشهد الفشل، لكنه يبقى حبيس دائرة النقد السياسي. المهمة الماركسية هي الانتقال إلى النقد الاقتصادي-الاجتماعي الجدلي، الذي يكشف أن “فشل الثورات” هو في الحقيقة فشل في تحقيق التحول من انتفاضة شعبية عابرة إلى ثورة اجتماعية منظمة. مستقبل السودان لا يرتهن لتلافي “أخطاء الماضي” فحسب، بل لجرأة بناء أداة سياسية جديدة (الحزب الثوري) وبرنامج جديد (التحرر الوطني-الديمقراطي الجذري) قادرين على تمثيل مصالح الطبقات المحرومة حقيقياً، وتحويل دمائها وطموحها إلى قوة مادية تغير التاريخ.

#حراك_HIRAK
————————-
القدس اللندنية
23/يناير/2026
د.الشفيع خضر سعيد

لماذا تفشل ثورات السودان؟

رغم قسوة الحرب وضبابية الأفق، ورغم انغماسهم الكلي في توفير المساعدات الإنسانية للمدنيين، إنقاذاً للأرواح وتخفيفاً لوطأة الجوع والمرض، لم تتوقف مجموعاتُ غرف الطوارئ ولجانُ المقاومة عن طرح سؤال المستقبل وسودان ما بعد الحرب. وظلّوا يتساءلون عن الماضي ويفتشون في جذور الأمل عن كيف تُستعاد ثورة ديسمبر لتُكمَل مسيرتها نحو الانتصار؟
فنظموا داخل السودان حواريةً في ذكرى الاستقلال تحت سؤال مؤرق: «لماذا تفشل ثورات السودان؟» وشاركوني شرف المساهمة في إجابته، وأنشر في مقال اليوم نص إجابتي.
إن فشل الانتفاضات والثورات السودانية، أكتوبر 1964، إبريل/ 1985، ديسمبر 2018، في تحقيق غاياتها، هو نتيجة تراكمية لعدد من الأسباب:
أولاً، أسباب هيكلية عميقة بمثابة الأرضية الخصبة للفشل، منها:*متانة بنى الدولة العميقة صعبة التحول. فكل الثورات السودانية واجهت «الدولة الموازية» أي شبكة المصالح في المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والإدارية التي نشأت وترسخت خلال فترات الحكم الاستبدادي (عبود، النميري، البشير). وتمتلك هذه الشبكة قوة مؤسسية تتحكم في مفاصل الدولة من جيش ومخابرات واقتصاد مواز، وتستخدمها في استنفار الولاءات القبلية والعسكرية. ولأن أي تحول ديمقراطي حقيقي يعني تفكيك نفوذها ومحاسبتها، فتتحول هذه القوى المؤسسية إلى «ثورة مضادة» نشطة تنتظر الفرصة للانقضاض، كما حدث بانقلاب 25 اكتوبر/ 2021. والشبكة تمتلك القدرة على اختراق صف الثورة نفسه، وإثارة النزاعات والاضطرابات داخله. *الثورات السودانية «ثورات مركز» عاصمة ومدن كبرى، تركز على الحريات السياسية، لكنها لم تقدم مشروعاً وطنياً جامعاً يحسم القضايا الجوهرية المتسببة في الحروب الأهلية، قضايا شكل الحكم وعدالة المشاركة في السلطة وتوزيع الموارد، مواجهة المركزية الشديدة ضد مطالب الأطراف والمناطق المهمشة، مسألة الهوية وعلاقة الدين والدولة،…الخ، فتترك جيوباً من السخط والاستياء يمكن استغلالها لإسقاط الديمقراطية الناشئة. * تعامل أطراف إقليمية ودولية مع السودان كساحة لصراعات النفوذ، ودعمها الأنظمة الاستبدادية لتحقيق استقرار مصطنع يخدم مصالحها الأمنية أو الاقتصادية، وخوفها من نجاح «النموذج الديمقراطي» في السودان، والذي قد يهدد الأنظمة الشمولية المجاورة، وسعيها لاستغلال الثورات لحساب أجندات خارجية، أو التخلي عن دعمها في اللحظات الحاسمة، كما حدث مع ثورة ديسمبر.
ثانياً، أسباب ذاتية ناتجة من أخطاء قوى الثورة نفسها: 1 ـ الافتقار إلى مشروع وطني متفق عليه. فالهتاف يمكن أن يكون موحداً، حرية سلام وعدالة، لكن التحول إلى برنامج عمل تفصيلي يظل غائباً. وبمجرد إسقاط النظام، تظهر الخلافات الحادة حول الأولويات وطبيعة الفترة الانتقالية، ويتحول تحالف الثورة إلى ساحة صراع على السلطة والنفوذ بدلاً من أن يكون ورشة لبناء الوطن. 2 ـ ضعف البنية المؤسسية والقيادية للثورات، فهي دائما ما تعتمد على الحراك الشعبي العفوي، وعلى قيادات لحظية لا تستطيع منع سرق الثورات بواسطة النخب التقليدية التي كانت جزءاً من المشكلة التاريخية، وليس لديها رؤية جديدة أو جرأة كافية للقطع مع الماضي. 3 ـ غياب الحنكة السياسية لإدارة المرحلة الانتقالية، وهي ضرورية لوزن معادلة تعارض المطالب الشعبية العاجلة مع الإصلاحات الهيكلية طويلة المدى، ومعادلة العلاقة مع المؤسسة العسكرية، حيث الوقوع في خطأ الشراكة غير المتكافئة يمنحها دوراً كبيراً في السياسة، ومحاولة إقصائها بقوة دون امتلاك الأدوات الكافية، يدفعها للانقلاب.
ثالثاً، يقول التاريخ إن الثورات نادراً ما تنتصر من المحاولة الأولى، بل تمر عبر مسارات متعرجة من النجاحات والانتكاسات قبل أن تبلغ غاياتها. فالثورة الفرنسية (1789-1799) بدأت بإسقاط الملكية المطلقة ثم مرت بفترات من الإرهاب والاضطراب، وشهدت عودة الملكية لفترة قصيرة قبل استقرار النظام الجمهوري، واستغرقت عقوداً حتى ترسخت مبادئ الحرية والإخاء والمساواة. والثورة الإنكليزية (1642-1688) بدأت بالحرب الأهلية وإعدام الملك تشارلز الأول، ثم عادت الملكية عام 1660 قبل الثورة المجيدة عام 1688، وكانت عملية تراكمية أنتجت نظاماً ملكياً دستورياً. والثورة الألمانية (1848-1849) انتشرت عبر الولايات الألمانية لكنها قمعت عسكرياً، وفشلت في تحقيق الوحدة الألمانية في حينها، لكنها زرعت بذورها حتى تحققت لاحقاً عام 1871 بقيادة بسمارك. وثورات السودان، منذ 1924، ليست استثناءً من هذه القاعدة التاريخية فكلها حققت إنجازات ثم واجهت انتكاسات، لكنها راكمت خبراتها لتشكل مساراً تحررياً متصاعداً، رغم فشل فترات الانتقال والانقلابات المضادة.
والشباب هم قلب الثورة ووقودها، ولأجلها يسترخصون حياتهم، حتى يتحقق حلمهم الأكبر الذي يحملون به بأكبر قدر من النقاء والطموح في دولة حديثة عادلة. لذلك، عند انتكاسة الثورات، هم من يدفع الثمن الأكبر، وهم يشعرون أنهم يخوضون معركتهم الوجودية ضد نظام متعفن قطع عليهم المستقبل الذي يُسرق مرتين: مرة بالاستبداد، ومرة بالفشل في صناعة البديل. وتتملكهم الخيبة عندما يشاهدون ثورتهم تتحول إلى صراعات بين نخب قديمة تتحدث بلغة الماضي، وتفاهمات سياسية ومساومات على المناصب بينما البلد آخذة في الانهيار، ثم ينتهي المشهد بحرب مدمرة (2023) أسوأ مما ثاروا ضده. وهنا تتحول الخيبة إلى جرح نفسي عميق، وإحساس بالخذلان المزدوج، خذلان من النظام القديم، وخذلان من النخب السياسية التي افترضوها قائدة للتغيير. ومع ذلك، يبقى الأمل الوحيد في تعلّم هذه الدروس بطعم المرارة، وبناء حركة سياسية جديدة من تحت الركام، أكثر نضجاً، أكثر تنظيماً، وأكثر إصراراً على السير بالثورة حتى تُحل القضايا الجوهرية والهيكلية من جذورها.
وفي النهاية، ومهما طال الزمن، وكما انتصرت ثورات الأمم من قبل بعد مسارات طويلة، فإن انتصار الثورة السودانية ليس مجرد احتمال، بل هو حتمية تاريخية. هذا هو المجرى الموضوعي لمسار التاريخ، والذي لا يمكن عكسه. والثورات هي عمليات تحول مجتمعي عميق تحتاج وقتا،ً وكل ثورة تبنى على تجارب سابقاتها، وكل انتكاسة تخلق ظروفاً أكثر نضجاً وفعالية للنضال، إضافة إلى الوعي المتصاعد، خاصة لدى الشباب جنود الثوره، الذين يشكلون أغلبية السكان.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole