سورة العصر من أقصر سور القرآن الكريم، لكنها من أعظمها معنىً ودلالةً؛ فقد لخّصت حقيقة الإنسان ومصيره في ثلاث آيات فقط، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. هذه السورة العظيمة وضعت قاعدة كونية مفادها أن الأصل في الإنسان الخسران، إلا من استثناهم الله بأربع صفات جامعة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. وقد قال أحد الصالحين بعد طول تأمل: “لقد قرأت سورة العصر عشرين عاماً ولا أفهم معناها، حتى أدركت أن رأس مال الإنسان هو عمره، وكل لحظة تمر لا تعود أبداً، فهي قطرة ماء تسقط ولا يمكن استرجاعها.”
رأس مال الإنسان ليس المال ولا الجاه، بل هو الوقت؛ فكل يوم يذوب من عمرنا جزء لا يمكن استعادته حتى ينتهي الأجل. وإذا أسقطنا هذا المعنى على واقع السودان اليوم، نجد أن الأمة تخسر رأس مالها في صور متعددة، منها سنوات الحرب التي أهدرت الزمن والفرص، وثروات طبيعية وزراعية ومائية غنية لكنها بلا أثر حقيقي على حياة الناس بسبب الفساد والتآمر، إضافة إلى هجرة العقول والشباب بحثاً عن فرص أفضل، مما أفقد الوطن رأس مال بشرياً كان يمكن أن يبني البلاد.
الآية الكريمة وضعت طريق النجاة بوضوح؛ فالإيمان هو أن نتوكل على الله ونستحضر قيم الدين في حياتنا العامة والخاصة، والعمل الصالح هو أن يتحول الإيمان إلى مشاريع عملية تخدم الناس وتبني الوطن، والتواصي بالحق هو أن يكون بيننا نصح صادق ومطالبة بالعدل ومقاومة للفساد، أما التواصي بالصبر فهو أن نصبر على الطريق الطويل للإصلاح فلا نيأس ولا نستسلم مهما كانت التحديات.
إعادة إعمار السودان لن تكون بقرارات عاجلة أو حلول سطحية، بل تحتاج إلى إدارة واعية لرأس المال الحقيقي وهو الوقت؛ فالوقت هو وعاء العمل، وكل دقيقة تضيع تعني تأخيراً في البناء. كما أن الصبر هو الضمانة للاستمرار في مواجهة الصعاب، لأن طريق الإصلاح طويل وشاق، لكنه الطريق الوحيد للنجاة.
إشارات
سورة العصر مكية، وقد جاءت في غاية الإيجاز والبيان، حتى أن الإمام الشافعي قال: “لو لم ينزل الله سوى هذه السورة لكفت الناس.”
وأخرج البيهقي في “الشعب” عن أبي حذيفة قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر، ثم يسلم أحدهما على الآخر.
آخر القول
إن السودان اليوم بحاجة إلى أن يتأمل أهله سورة العصر بعمق، وأن يدركوا أن الوقت قد بدأ لإعادة الإعمار، وأن شعار المرحلة يجب أن يكون العمل الجاد، والتواصي بالحق، والصبر على الطريق. فلنرحم أنفسنا وأوطاننا بالجد والاجتهاد قبل أن ينتهي الأجل وتضيع الفرصة.
نسأل الله أن ينعم على بلادنا بالأمن والسلام،
وأن يفرغ علينا صبراً.
كسرة
دقات قلب المرء قائلة له: إن الحياة دقائق وثواني
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها، فالذكر للإنسان عمرٌ ثانٍ




