حين نتحدث عن تجربة الحكم التي بدأت بانقلاب عام 1989 لا يمكن أن نتعامل معها كحادثة سياسية عابرة بل كمشروع متكامل أعاد تشكيل الدولة السودانية من جذورها فمنذ اللحظة التي ظهر فيها العميد آنذاك عمر حسن أحمد البشير على شاشة التلفزيون معلنًا إستيلاء الجيش على السلطة بينما كان العقل السياسي المدبر في الخلفية ممثلًا في حسن الترابي بدأت عملية طويلة لم يكن عنوانها المعلن تفكيك الدولة ولكن نتيجتها الفعلية كانت إعادة صياغتها بحيث يصبح التنظيم فوق الوطن والولاء فوق الكفاءة والطاعة فوق المهنية ومن هنا بدأ التآكل البطيء الذي لم يشعر به كثيرون في سنواته الأولى لكنه تراكم حتى صار بنية كاملة من الاختلالات تضرب القضاء والنيابات والأجهزة الأمنية والخدمة المدنية والتعليم والاقتصاد والإعلام في آن واحد
القضاء الذي يفترض أن يكون حصن العدالة وملاذ المظلومين دخل مرحلة اهتزاز عميق حين اختلطت معايير الاستقلال بحسابات السلطة التنفيذية تم إقصاء كوادر قضائية ذات تاريخ مهني معروف وتم الدفع بوجوه جديدة في مناخ سياسي مشحون ففقدت المؤسسة جزءًا من ثقلها المعنوي النيابات التي يفترض أن تمثل الحق العام أصبحت في نظر قطاع واسع من المواطنين ساحة تتحرك فيها البلاغات وفق ميزان النفوذ أكثر من ميزان النص القانوني وعندما يتسلل هذا الإحساس إلى المجتمع تتراجع الثقة في المحاكم ويتحول اللجوء إليها من قناعة راسخة إلى خيار اضطراري لأن العدالة حين يُشك في حيادها تفقد قوتها الرمزية وتتحول إلى إجراء إداري بارد لا يطمئن إليه الناس
الأجهزة الأمنية تضخمت صلاحياتها حتى أصبحت لاعبًا فوق العادة في الحياة العامة توسعت سلطات الاعتقال والمراقبة وتداخل الأمن مع السياسة والإعلام والجامعات والنشاط المدني وغابت في كثير من الأحيان الرقابة المدنية الفاعلة التي تضمن ألا تتحول القوة إلى غاية في حد ذاتها ومع مرور السنوات ترسخ منطق أن حماية النظام تعادل حماية الدولة وأن الاستقرار يعني خفض الصوت المعارض لا معالجة أسبابه وعندما يُدار بلد بعقل أمني مغلق يصبح الحوار ضعفًا والنقد تهديدًا والاختلاف شبهة وهكذا تُقفل النوافذ تدريجيًا حتى اختنق المجال العام بالكامل
سياسة التمكين التي طُبقت في الخدمة المدنية لم تكن مجرد إعادة توزيع للوظائف بل كانت إعادة تعريف لطبيعة الدولة نفسها آلاف الموظفين أُحيلوا إلى التقاعد أو أُقصوا تحت مسمى الصالح العام وتم تعيين عناصر جديدة في مناخ يقول بوضوح إن الانتماء يسبق الأداء وإن القرب من دوائر القرار يوفر حماية لا توفرها الخبرة ومع مرور الوقت تراجعت الكفاءة المؤسسية لأن الجهاز الإداري الذي يُكافأ فيه الولاء أكثر من الإنجاز يفقد روحه المهنية ويتحول إلى شبكة صامتة لا تجادل ولا تصحح بل تنفذ وتبرر وهنا يبدأ الانهيار الصامت الذي لا يُرى في يوم وليلة لكنه يظهر في ضعف الخدمات وتضخم البيروقراطية وتراجع الثقة العامة
في الاقتصاد رُفعت شعارات النهضة والاكتفاء لكن الواقع سار في اتجاه مختلف تضخم متصاعد عملة متدهورة طبقة وسطى تتآكل وفجوة اجتماعية تتسع وبعد انفصال الجنوب عام 2011 فقدت البلاد جزءًا كبيرًا من عائداتها النفطية ولم تُصاحب ذلك إصلاحات جذرية تعيد بناء الاقتصاد على قاعدة إنتاج حقيقي بل استمرت سياسات قصيرة النفس تعتمد على الرسوم والجبايات وبرزت شبكات مصالح اقتصادية ارتبطت بمراكز نفوذ ما عزز شعورًا عامًا بأن المنافسة ليست متكافئة وأن الفرص لا توزع بعدالة وحين يفقد الاقتصاد قواعده العادلة يتحول إلى ساحة علاقات لا ساحة قانون ويصبح النجاح مرهونًا بالقرب لا بالكفاءة
التعليم تعرض لإعادة تشكيل أيديولوجي أثرت على المناهج والبيئة الجامعية وتحولت بعض الجامعات إلى ساحات استقطاب سياسي مباشر وهجرت كفاءات أكاديمية بحثًا عن فضاء أرحب وتراجع البحث العلمي والبنية التحتية ومع تراجع جودة التعليم تراجع الاستثمار في المستقبل لأن الأمم لا تنهض بمواردها الطبيعية وحدها بل بعقول أبنائها فإذا ضاقت الجامعة وتسيّس المنهج ضاق أفق الدولة نفسها
الإعلام عاش تحت قيود ومصادرات متكررة ففقد جزءًا كبيرًا من قدرته على أداء دوره الرقابي والنقدي وحين تُكسرت المرآة التي تعكس أخطاء السلطة لا تختفي الأخطاء بل تتراكم في الظلام حتى تنفجر في وجه الجميع لأن النقد حين يُحاصر لا يموت بل يتحول إلى غضب صامت يتسع بمرور الوقت
وعندما خرج السودانيون إلى الشوارع في ديسمبر 2018 مطالبين بإسقاط النظام لم يكن غضبهم وليد لحظة بل حصيلة تراكم طويل انتهى بسقوط حكم عمر حسن أحمد البشير في أبريل 2019 لكن سقوط الرأس لم يكن كافيًا لإقناع كثيرين بأن المنظومة سقطت بالكامل لأن البنية التي تشكلت خلال ثلاثة عقود لا تزول بقرار واحد ولا ببيان عسكري وهنا برز السؤال المؤلم هل حدث تغيير جذري أم إعادة ترتيب للأوراق
استمرار شخصيات عسكرية وأمنية في صدارة المشهد مثل عبد الفتاح البرهان وشمس الدين كباشي وياسر العطا وأحمد إبراهيم مفضل دفع قطاعات واسعة للتساؤل عما إذا كانت الذهنية التي حكمت لسنوات قد تغيرت فعلًا أم أنها ما زالت تدير المشهد بعقلية أمنية ترى في السلطة أولوية مطلقة وفي الرقابة تهديدًا وفي المشاركة المدنية مخاطرة وهنا يكمن جوهر الأزمة لأن المشكلة ليست في الأسماء وحدها بل في الفلسفة الحاكمة فإذا بقي القرار محتكرًا داخل دوائر ضيقة وإذا ظلت المعالجات السياسية مؤجلة لصالح المقاربات العسكرية فإن الإحساس العام بأن القديم يعاد إنتاجه سيظل قائمًا
الخطورة لا تكمن فقط في الماضي بل في استمراريته المحتملة لأن أي دولة لا تحسم قطيعتها مع منطق التمكين والاحتكار تبقى أسيرة دوامة انتقالات معلقة تتغير فيها الوجوه وتبقى القواعد ذاتها والسودان اليوم وهو يواجه حربًا وانقسامًا وأزمة ثقة عميقة لا يحتمل إعادة تدوير أخطاءه بل يحتاج إلى إعادة تأسيس حقيقية تعيد للقضاء استقلاله الكامل وللأمن تعريفه المهني تحت رقابة دستورية واضحة وللخدمة المدنية حيادها وللاقتصاد شفافيته وعدالة منافسته وللتعليم حريته وللإعلام قدرته على النقد بلا خوف
الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها ولا تُدار بالعقيدة وحدها ولا تُحمى بإغلاق المجال العام بل تقوم على توازن السلطات وعلى سيادة القانون وعلى الإيمان بأن الوطن أوسع من أي تنظيم وأكبر من أي مؤسسة وأبقى من أي سلطة وأي تجربة لا تدرك هذه الحقيقة محكوم عليها بأن تكرر ذات الأخطاء ولو تغيرت الشعارات لأن التاريخ لا يكتفي بإسقاط الأشخاص بل يطالب بتغيير القواعد والسؤال الذي سيظل يطارد المشهد السوداني هو هل نملك الشجاعة لتغيير القواعد فعلًا أم سنكتفي بتبديل الوجوه وترك البنية كما هي لأن الإجابة على هذا السؤال هي الفارق بين دولة تنهض من ركامها ودولة تبقى أسيرة ماضيها مهما ادعت القطيعة معه
ماشين في السكة نمد




