لا يبدو التصعيد المفاجئ بين الخرطوم وأديس أبابا حدثاً معزولاً، فهو يندرج ضمن محاولات أوسع للقوى الإقليمية لإعادة تموضعها في ظل حرب تتجاوز حدود الخليج، لتطال توازنات سياسية هشّة في مناطق متعددة من العالم المتحفّز.
فالحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وحلفائهما من جهة، والجمهورية الإسلامية وأذرعها الإقليمية من جهة أخرى، يقيناً تدفع الكثير من الدول— طوعاً أو اضطراراً — إلى استثمار اللحظة الدولية لصياغة أوراق ضغط جديدة. وهنا تحديداً يبرز السؤال: هل ما يجري بين الخرطوم وإثيوبيا تداعٍ طبيعي لتطورات الميدان، أم محاولة محسوبة لاستثمار لحظة حرب القرن؟
نقول: ليس هنالك من خيارات مفتوحة كما يتناول بعض المحللين الحرب المستعرة الآن بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وحلفائهما من جانب، والجمهورية الإسلامية وأذرعها الإقليمية من جانب آخر، فالمشهد، وفق المعطيات الاقتصادية الصلبة وعلى رأسها امدادات النفط والغاز وسلاسل تجارة السلع الاستهلاكية، ينحصر عملياً في مسارين لا ثالث لهما. إما أن تتوقف الحرب خلال أسابيع محدودة بوصفها حرباً إقليمية منضبطة تنتهي ببقاء نسخة جديدة منقحة من نظام الملالي أو بتغييره كلياً نحو صيغة دستورية مختلفة، وإما — وهو الاحتمال الأعلى كلفة — أن تصمد النسخة القديمة للنظام في طهران بوجه لا يقل عناداً عن خامنئي، لتتحول المواجهة تدريجياً إلى حرب كونية تعيد تشكيل النظام الدولي ذاته، وتنتج توازنات لم تدخل بعد في حسابات الفكر السياسي.
وهنا لا نريد الإسهاب في المسار الذي يقود إلى هذه القراءة، غير أن الإشارة إلى موقفي الصين وروسيا تكشف الخلفية الحاكمة للمشهد، فالصين تسعى لأن تتحول المغامرة الأمريكية في الشرق الأوسط إلى استنزاف طويل يقلّص الدور الأمريكي عالمياً ويحدّ من اندفاعته التجارية، دون أن يتجاوز ذلك سقف الخسائر المحسوبة بعناية. أما روسيا، فهي تناور في المساحة التي تعظم مكاسبها في حرب أوكرانيا، مدركة أن اتساع الحرب في الخليج قد يوقظ المارد الأوروبي بطريقة لا تخدم مصالحها بعيدة المدى، وهو ما يجعلها تميل — بدعم تركي — إلى دفع مسارات احتواء الصراع ومنع انزلاقه إلى مواجهة كونية شاملة.
هذا الإطار الدولي ليس مجرد خلفية بعيدة عن مقصدنا لأنه ببساطة المفتاح لفهم تحركات الأطراف الإقليمية الصغيرة والمتوسطة، إذ تتحول الأزمات المحلية في لحظات إعادة تشكيل النظام الدولي إلى أدوات ضغط ومقايضة ضمن صراع أوسع. ومن هنا يكتسب سؤال هذا المقال مشروعيته: لماذا اختارت حكومة الخرطوم هذا التوقيت تحديداً للتصعيد مع إثيوبيا بينما الإقليم بأسره يوشك على الانفجار؟
فقد أطلقت حكومة الأمر الواقع في الخرطوم تصريحات متلاحقة دفعت إثيوبيا إلى استدعاء سفير البرهان لديها، نافية اتهامات الخرطوم بإرسال مسيّرات من أراضيها انتهكت السيادة السودانية. وكانت الخارجية السودانية قد أعلنت أنها رصدت خلال الشهر الأخير دخول طائرات من الجانب الإثيوبي تعاملت مع أهداف داخل السودان، ووصفت ذلك بأنه سلوك عدائي يمثل انتهاكاً سافراً للسيادة، محذّرة أديس أبابا من مغبة استمرار هذه الأعمال، ومؤكدة احتفاظها بحق الرد بكل الوسائل التي تكفل حماية وحدة أراضيها.
التفسير الأولي لهذا التصعيد يبدو ميدانياً بحتاً، إذ عادت رقعة القتال للاشتعال في ولاية النيل الأزرق، الولاية الحدودية الحساسة المحاذية لإثيوبيا وجنوب السودان، بعد أشهر من الخمود النسبي. فقد شهدت مناطق متفرقة اشتباكات عنيفة تبادل خلالها طرفا الصراع السيطرة والنفوذ، لينتقل الإقليم من محور قتالي «خامل» إلى مركز عمليات «نشط»، خاصة في محيط الكرمك التي اكتسبت أهمية استراتيجية مضاعفة بفعل قربها الجغرافي من الحدود الإثيوبية.
غير أن الاتهام السوداني، “رغم صراحته السياسية وحدّته الخطابية، يفتقر إلى العناصر الفنية التي تحوّله إلى ملف قانوني قابل للتدويل”،إذ لم تُطرح أدلة تقنية أو تقارير تحقق مستقلة يمكن البناء عليها دولياً. وبذلك يبدو التصعيد أقرب إلى رسالة سياسية محسوبة منه إلى مسار قانوني مكتمل، وهو ما يفتح الباب لقراءة تتجاوز العامل الميداني وحده.
هنا تتقدم فرضية المقال: أن التصعيد لم يكن انعكاساً مباشراً لتطورات القتال فقط، بل خطوة متعمدة اختير توقيتها بعناية، وبمساندة مصرية، عقب الصفعة الدبلوماسية التي تلقاها الحليفان بعد قرار مجلس السلم والأمن الإفريقي الإبقاء على تعليق عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي، رغم الجهود المكثفة التي بذلتها القاهرة لفتح نافذة دبلوماسية تعيد إدماج الخرطوم جزئياً في الإقليم وتبقي للبرهان موقعاً تفاوضياً داخل أي تسوية دولية قادمة.
في المقابل، لعبت إثيوبيا دوراً مؤثراً في إتاحة مساحة سياسية لقوى «صمود» عبر لقاءات ثنائية ساهمت في إبقاء الحالة السودانية معلقة دون حسم، وهو ما اعتبرته القاهرة والخرطوم تعطيلاً لمسار إعادة تأهيل السلطة القائمة.
تعرف مصر جيداً طبيعة رهانها: نظام البرهان يمثل حليفاً ضعيفاً سياسياً لكنه مهم استراتيجياً في ملف الأمن المائي، إذ يضمن استمرار تدفق حصة السودان شمالاً ويمنح القاهرة دعماً ثابتاً في مفاوضات سد النهضة. وفي المقابل، تدرك القاهرة أن آبي أحمد يتجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع السودان قد تقود إلى ارتدادات داخلية تهدد استقرار حكمه، وهو احتمال تراه القاهرة والخرطوم معاً فرصة ضغط محتملة.
ضمن هذا السياق، تبدو القاهرة وكأنها تحاول استثمار لحظة الحرب الإقليمية الكبرى لإجراء مقايضة غير معلنة مع إسرائيل وبعض دول الخليج، مستفيدة من انشغال القوى الكبرى ورجاحة إحتمال أن تقود الحرب الدائرة لمحدودية مصادر الدعم الخارجي لإثيوبيا. وقد سبقت التصعيد السوداني اتصالات مصرية مكثفة مع عواصم المنطقة، أعقبها مباشرة تصعيد حاد اللهجة من خارجية الخرطوم، رغم صمتها لأشهر عن الانتهاكات ذاتها التي تتحدث عنها الآن.
وعليه، فإن التصعيد قد يمثل محاولة لخلق ضغط سياسي أو عسكري — بالوكالة أو بصورة مباشرة — في إطار تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين القاهرة والخرطوم، بهدف دفع إثيوبيا إلى إعادة تموضع في ملفي سد النهضة والصراع السوداني الداخلي، وربما إضعاف توازنها السياسي الداخلي إن اقتضت الضرورة.
في النهاية، تبقى مآلات حرب الخليج العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاهات هذه التحركات، إذ لم تعد الحروب المحلية تُفهم داخل حدودها الضيقة يقيناً قاطعاً، إنما تحول الجغرافيا السودانية إلى أحد هوامش لعبة دولية أكبر.
والأيام حبلى بما ستكشفه من نتائج، سلباً أو إيجاباً، على مسار الحرب السودانية السودانية، وعلى شكل الإقليم بعد انقشاع غبار حرب لم تتضح نهايتها بعد.




