قراءة في الأرقام والوقائع تكشف كيف قادت بندقية الإسلام السياسي إلى واحدة من أشد المآسي الإنسانية في الزمن المعاصر.
في الثامن من مارس من كل عام، يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للمرأة اعترافاً من الإنسانية بنضال النساء وحقوقهن. غير أن هذا اليوم يمرّ ثقيلاً على ملايين النساء في السودان، حيث تعيش المرأة السودانية منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023 واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في العالم المعاصر. فالحرب التي اندلعت بين طرفي النزاع لفرملة التحول المدني الديمقراطي ودفن الاتفاق الإطاري المفضي لإنهاء فوضى السلاح ودمج المليشيات في جيش قومي مهني غير مُسيَّس، لم تخلق فقط دماراً عسكرياً، إنما تعدّت ذلك لتنتج فضاءً واسعاً من العنف المنفلت الذي تحولت فيه أجساد النساء إلى ساحة حرب مفتوحة.
ولا يمكننا فهم مأساة المرأة السودانية بمعزل عن السياق السياسي الذي تشكّل خلال عقود. فقد أسس صعود الإسلام السياسي العسكري منذ انقلاب 1989 بنية دولة تقوم على:
عسكرة المجتمع، وتسييس الدين، وإضعاف مؤسسات القانون.
وخلال تلك العقود، تعرضت النساء لحملات قمع اجتماعي وقانوني، تحت نير قوانين النظام العام، إلى تقييد الحريات الشخصية. ومع انهيار الدولة في الحرب الحالية، انفلت العنف الكامن داخل هذه البنية السلطوية ليظهر في أكثر صوره قسوة.
وهكذا وجدت المرأة السودانية نفسها اليوم بين فكي كماشة:
سلطة السلاح، وإرث أيديولوجي كرّس التمييز ضدها لعقود.
وتشير تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى أن ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد حرب تقليدية، فهو يتعدى ذلك إلى أزمة إنسانية شاملة تتخذ فيها معاناة النساء شكلاً مضاعفاً، حتى وصف بعض العاملين الإنسانيين الحرب بأنها «حرب على النساء».
فمنذ بداية الحرب، تسببت المواجهات المسلحة في واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم المعاصر. فقد أُجبر أكثر من 14 مليون شخص على مغادرة منازلهم داخل السودان أو خارجه، بينما يحتاج أكثر من 30 مليون إنسان إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
اللافت أن النساء والفتيات يمثلن أكثر من نصف النازحين، مع وجود نحو 5.8 مليون امرأة وفتاة نازحة داخلياً، إضافة إلى ملايين أخريات لجأن إلى دول الجوار.
كما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 12 مليون امرأة وفتاة معرضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي نتيجة انهيار الدولة وانتشار السلاح.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، إنها ملامح مأساة يومية تعيشها النساء في المدن المدمرة أو في مخيمات النزوح المنتشرة في دارفور وكردفان والشمالية وغيرها من نجوع السودان، إذ تعيش النساء في ظروف قاسية: نقص الغذاء والمياه، غياب الرعاية الصحية، وانعدام الأمن.
وفي مثل هذه البيئات تصبح أبسط الأنشطة اليومية، مثل جمع الحطب أو جلب الماء أو الوقوف في طوابير الطعام، لحظات خطر حقيقي، حيث تتعرض النساء للاعتداءات والتحرش والعنف.
فقد وثقت تقارير حقوقية حالات واسعة من الاغتصاب الجماعي والاستعباد الجنسي والزواج القسري، خصوصاً في مناطق دارفور والخرطوم. ووفق تقارير دولية:
اغتُصبت عشرات النساء والفتيات في عدة ولايات سودانية، بعضهن لا يتجاوزن 15 عاماً، وتم تسجيل 221 حالة اغتصاب للأطفال خلال عام 2024، بينهم رضع دون عام واحد.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن العنف الجنسي يُستخدم أحياناً كتكتيك حرب لبث الرعب وإجبار المجتمعات على النزوح.
ولا تقف المأساة عند حدود الاعتداء الجنسي. فالنساء السودانيات يعشن أيضاً تجربة الفقد الجماعي: فقدان الأزواج في القتال، قتل الأبناء أو تجنيدهم قسراً.
وقد أدت الحرب إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بكثير بسبب صعوبة التوثيق.
وفي مجازر عديدة، مثل بعض الهجمات في ولايات الوسط ودارفور، قُتل مدنيون بينهم نساء وأطفال في عمليات إطلاق نار عشوائي أو قصف للقرى.
وفي دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان ومصر على وجه التحديد، تعيش آلاف النساء السودانيات في أوضاع مأساوية ومضايقات لا حد لها، وبعضهن يعشن في مخيمات أو مدن حدودية فقيرة. وهناك تواجه النساء تحديات إضافية: الاستغلال الاقتصادي، العمل القسري، الاتجار بالبشر، الزواج المبكر كوسيلة للبقاء، وتعاني النساء من انعدام الخصوصية والخدمات الصحية، خصوصاً خدمات الحمل والولادة.
ففي اليوم الذي يحتفل فيه العالم بإنجازات النساء، نجد أن المرأة السودانية تعيش زمناً مأساوياً في جحيم الإسلام السياسي وحركته الإسلامية، أسيرة الذهنية الخارجة الموهمة بأنها مباركة وظل الله على أرضه.
وفي عيدها السنوي هذا، لا تطلب المرأة السودانية الكثير:
فقط أن تسقط البندقية التي وُضعت فوق صدرها باسم السياسة، وباسم الدين، وباسم السلطة.
وأن تستعيد حقها البسيط:
أن تعيش بكرامة في وطن لا يخاف فيه النساء من الصباح.




