في اليوم العالمي للمرأة تقف المدن البعيدة لتحتفل بالورود والخطب والصور اللامعة بينما في الطرف المنسي من هذا العالم في طرق النزوح الطويلة وفي الخيام التي ترتجف تحت الريح هناك نساء لا يعرفن معنى الاحتفال لأن أجسادهن تحولت إلى ذاكرة مفتوحة للجريمة ولأن أرواحهن ما زالت عالقة في تلك اللحظة السوداء التي اقتحم فيها العنف حياتهن كوحشٍ بلا وجه
هناك نساء في بلادنا لا يحتفلن بهذا اليوم بل يختبئن منه لأن كل حديث عن الكرامة يذكّرهن بالليلة التي كُسرت فيها كرامتهن تحت سطوة السلاح والليلة التي اكتشفن فيها أن الحرب حين تفقد إنسانيتها تتحول أجساد النساء إلى ساحةٍ أخرى من ساحات القتال
في دارفور وفي مدنٍ كثيرة أكلتها الحرب لم تكن الجريمة مجرد حريق قرية أو نهب بيت أو إطلاق رصاص بل كانت جريمة أبشع اغتصاب النساء كرسالة رعب كإعلان إذلال كوسيلة حرب تُمارَس بدم بارد ضد أكثر الكائنات هشاشةً وأشدها شجاعة في الوقت نفسه
المرأة التي تُغتصب في الحرب لا تُسرق لحظة من حياتها فقط بل يُراد لها أن تُحمل عمراً كاملاً من الألم أن تعيش كل يوم وهي تحاول أن تُقنع نفسها بأن ما حدث لم يكن نهاية العالم لكن العالم القاسي لا يساعدها لأنه بدلاً من أن يمد لها يده يتركها تواجه الجرح وحدها وأحياناً يضيف إلى جراحها وصمةً ظالمة كأن الضحية هي المذنبة
كم من امرأة في مخيمات النزوح تحمل جرحها في صمتٍ يشبه الصراخ كم من فتاةٍ لم تعد كما كانت لأنها رأت الوجه الحقيقي للوحش الذي تسميه الحروب انتصارا كم من أمٍ تحاول أن تبدو قوية أمام أطفالها بينما في داخلها مدينة كاملة من الألم والذكريات التي لا تنطفئ
ثم هناك المفقودات… أولئك اللواتي ابتلعهن الظلام المفقودة ليست اسماً في قائمة المفقودة هي حكاية معلّقة بين الحياة والموت هي ابنة خرجت ولم تعد أخت غابت في الطريق أمٌ اختفت في فوضى النزوح المفقودة هي سؤال مفتوح في قلب كل عائلة أين ذهبت؟ من أخذها؟ وهل ما زالت تنظر إلى السماء نفسها وتنتظر أن يأتي أحد لإنقاذها؟
المفقودة ليست غائبة فقط بل هي ألم يومي يسكن بيتاً كاملاً هي الأم التي تبقى مستيقظة كل ليلة تتخيل أن الباب سيُطرق فجأة هي الأب الذي يهرب من النظر إلى كرسيها الفارغ هي الأخ الذي يخاف أن يصدق أسوأ الاحتمالات
وفي كل هذا الألم يقف العالم متفرجاً يصدر البيانات يعقد المؤتمرات ثم ينام مرتاح الضمير يتحدثون عن حقوق المرأة بينما نساءٌ حقيقيات يختفين في العتمة يتحدثون عن العدالة بينما العدالة نفسها تبدو وكأنها فقدت الطريق إلى هذه الأرض
لكن الحقيقة التي لا يستطيع أحد دفنها هي أن النساء اللواتي نجون من هذا الجحيم لسن ضعيفات إنهن الشاهد الحي على جريمة هذا العصر إن بقاؤهن واقفات رغم الجراح هو صفعة في وجه كل الذين ظنوا أن العنف سيكسرهن
المرأة التي خرجت من جريمة الاغتصاب ليست امرأة مكسورة بل إنسانة نجت من أقسى ما يمكن أن يمر به بشر والمرأة التي تبحث عن ابنتها المفقودة ليست مجرد أمٍ حزينة بل روح تقاتل ضد النسيان كي تبقى الحقيقة حيّة
في اليوم العالمي للمرأة لا أكتب تهنئة لأن الكلمات الجميلة تبدو صغيرة أمام هذا الألم الهائل أكتب شهادة أكتب صرخة أكتب كي لا يتحول صمت العالم إلى قبر آخر للضحايا
أكتب للنساء اللواتي اغتُصبن ولم ينكسرن للنساء اللواتي فقدن بناتهن وما زلن يقاومن اليأس وللمفقودات اللواتي لا تزال أسماؤهن تضيء ذاكرة هذا الوطن كنجومٍ بعيدة تنتظر من يعيدها إلى السماء
لأن الحقيقة مهما حاولوا دفنها لا تموت
ولأن الجسد قد يُجرح لكن الكرامة لا تُغتصب
ولأن النساء اللواتي عبرن هذا الجحيم سيبقين دائماً الدليل الحي على أن الإنسان يمكن أن ينهض حتى من قلب العتمة




