*بين ابن سلول ومسيلمة الكذاب.. حين يعيد التاريخ نفسه* بكرى خليفة*

يُقال قديمًا إن للمرء من اسمه نصيب، غير أن أسوأ ما قد يُبتلى به الإنسان أن يُوصم بالنفاق؛ تلك الصفة التي التصقت تاريخيًا بعبد الله بن أُبيّ بن سلول، الذي عُرف بكبير المنافقين، إذ أظهر خلاف ما أبطن، ووقف موقف المهادن ظاهرًا والمعادي باطنًا.
لقد مثّل ابن سلول نموذجًا لشخصية تتكرر في كل زمان؛ يظهر أصحابها بوجه ويُخفون نقيضه، يسيرون بين الناس، لكن مواقفهم تفضحهم أمام أصحاب البصيرة.
وفي جانب آخر من صفحات التاريخ، يبرز مسيلمة الكذاب، الذي ادّعى ما ليس له، وسعى إلى تضليل الناس بادعاءات باطلة، فكان مثالًا صارخًا لكل من يتكسب بالكذب والتزييف، مهما تغيّرت الأزمنة وتبدلت الوسائل.
إن استحضار هذه النماذج ليس من باب السرد التاريخي فحسب، بل من باب العبرة؛ فالتاريخ يعيد نفسه بأشكال مختلفة، غير أن الحقيقة تظل ثابتة لا يحجبها تضليل، ولا يصمد أمامها زيف طويلًا.
وفي زمن تتداخل فيه الأصوات وتكثر فيه الادعاءات، تبقى المسؤولية على عاتق الوعي والبصيرة في التمييز بين الحق والباطل؛ فالحقيقة — مهما طال عليها الزمن — تظل أوضح من أن تُخفى.
وفي النهاية، تبقى السنن لا تتبدل؛ فكما انكشف زيف ابن سلول وسقط ادعاء مسيلمة، سينكشف كل باطل مهما طال به الأمد. فالتاريخ لا يخلّد الأقنعة، بل يفضحها، ولا يحفظ إلا المواقف الصادقة. وبين ضجيج الزيف وثبات الحقيقة، تكون الكلمة الأخيرة دائمًا للحق، ولو بعد حين.
أخيرًا، يذهب الزبد جفاءً، ويمكث في الأرض ما ينفع الناس. فالأقنعة قد تخدم أصحابها في معركة عابرة، لكنها تسقط حتمًا في حرب الوجود. والتاريخ لا يسجّل عدد المتابعين ولا علوّ الأصوات، بل يخلّد المواقف التي انحازت للحقيقة حين كان الصمت أسلم، وتمسّكت بالصدق حين كان الكذب أربح.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole