*ربع قرن على غياب يوسف كوة مكي موقفه من القومية الضيقة شمالاً وجنوباً (٣/٢) ياسر عرمان (١)*

منذ بداياته الأولى وإطلالته على قضايا البناء الوطني حلق يوسف كوة مكي بجناحيه باحثاً عن وحدة السودان، وفي سنواته الباكرة أهتم بمدرسة الاشتراكية الأفريقية وتأثر بالمعلم جوليوس نايرري ورؤيته (اوجاما) التي تستند على الاقتصاد التعاوني أو (اشتراكية القرية) كمداخل لاهتمامها بالريف وتعاون السكان المحليين للوصول للاحتياجات الأساسية، كما اهتم بقضية الهوية وحق الاخر والاسئلة المقلقة حول كيفية حل قضايا النوبة في اطار وحدة السودان، وظل طوال مسيرته على ارتباط عضوي بقضايا النوبة.

(٢)
القوميين هم أهم قوة في حركات الهامش ويستحقون الحوار والانتباه في التعامل معهم دون تعالي واستهتار باجندتهم، والقومية الضيقة المرتبطة بالإثنية والجغرافيا لا تستطيع العبور للضفة الأخرى للبحث عن مستقبل مشترك، وهي ذات مفاهيم وطنية محدودة تنظر من ثقب القضايا وتعلي من الروابط الثقافية والدينية والمصالح الاقتصادية والجغرافية والاثنية والتراث في اطار لا ينفتح على الاخرين ويتأثر بالحواجز والتحيزات والمصالح ذات الابعاد الضيقة، وهي صدى لشوفينية المركز والعزلة والمعاناة الطويلة لهامش السودان وتعقيدات التاريخ بما في ذلك فترة الرق وارثه، وهي أيضاً تتعامل مع اطماع المركز بتعظيم الفوارق وعدم امكانية تجاوزها، وتؤسس خياراتها السياسية على ضيق الروابط الوطنية لا على اتساعها، وهي نتاج طبيعي للمظالم والتهميش الذي لحق بقوميات مهمة في بلادنا كحالة جنوب السودان وجبال النوبة وغيرهم مما ادى لتغليب خيار الانفصال والدفع براية تقرير المصير كطريق قصير لحل اشكاليات البناء الوطني.

المظالم والتهميش المستمر الذي لحق بقوميات مهمة واهمال الريف في علاقته العضوية بالمدن والفشل في طرح برنامج سودانوي نهضوي يخاطب هذه القضايا ويقوم على الإنصاف والعدالة والتنمية المتوازنة والديمقراطية ادى إلى تصاعد القومية الضيقة التي تعجز عن رؤية اماكنية تنمية الروابط الوطنية. يوسف كوة كان وطنياً سودانوياً في غالب حاله وخطه الثابت اتجه للبحث عن مشروع نهضوي سودانوي، وحينما تعالت اصوات القومية الضيقة جنوباً وشمالاً وفي ذلك الوقت من الهياج والحصار تمتع بمرونة استراتيجية ولم يستسلم للرؤى الضيقة.
سوف نأتي لتفاصيل بعض من ذلك بالعودة للوقائع والاحداث.

(٣)
ذكر لي دكتور قرنق انه عندما استشار بعض اعضاء قيادة الحركة حول اختيار شخص من الشمال ومن جبال النوبة كقائد مناوب في القيادة السياسية العسكرية العليا للحركة الشعبية، أشاروا عليه باختيار دانيل كودي لانه مسيحي وأقرب للجنوب، وكان من رأيه ان الصحيح هو اختيار يوسف كوة لانه إذا كان اعضاء القيادة من المسيحيين سيكون هو المسلم من بينهم مما يعني اضافة جديدة تتسق مع رؤية الحركة في احترام التنوع وأضاف اسباب أخرى. لقد كان اختيار يوسف في القيادة كأول شمالي ومسلم ومن جبال النوبة طرقاً جديداً للحركة الشعبية في مجرى البحث عن وحدة السودان وستعود له الاجيال الجديدة في اطار البحث عن آفاق للبناء الوطني.

دفع دكتور قرنق بيوسف كوة مكي وجيمس واني ايقا ودكتور لام أكول اجاوين إلى برنامج للتدريب القيادي في كوبا البعيدة، كما تولى قبلها يوسف كوة تمثيل الحركة الشعبية في جمهورية اليمن الجنوبي في عدن. العلاقة مع كوبا واليمن عبرت عن اتساع أفق الحركة وانفتاحها وعلاقاتها الخارجية بحركات التحرر الوطني وهو نتاج لطرح رؤية السودان الجديد كرؤية انسانية جامعة لتوحيد السودان، لقد كان جون قرنق صاحب مشروع ومفكر منتمي للمهمشين.

(٤)
في وقت مبكر فطن جوزيف اوكيل قرنق لاهمية الحوار مع القوميين الجنوبيين والمكانة الهامة التي يحتلونها في تشكيل الرأى العام الجنوبي وهم بمثابة قلب الحركة السياسية في الجنوب، وعلى نحو شبيه يحتل القوميين النوبة مكانة مماثلة ولا يزال الحوار الفكري والسياسي على درجة فائقة من الاهمية مع قوميي حركات الهامش في كافة ارجاء السودان ومن كافة الذين تهمهم وحدة السودان والأجندة الجديدة للعيش المشترك.
جوزيف اوكيل قرنق الذي اعدمه جعفر نميري في يوليو ١٩٧١ ظلماً وعدواناً، وهو من عمل على أحياء روابط الوطنية السودانية ووقف ضد الذاكرة المثقوبة. يظل كتابه القيم (مأزق المثقف الجنوبي- هل له ما يبرره) علامة فارقة في الحوار مع القوميين الجنوبيين ومن كافة القوميات، وعلى الرغم من مرور (٦٦) عاماً على تلك المقالات لا تزال ذات أهمية، وقد نشرها جوزيف قرنق المفكر والمثقف الثوري في عام ١٩٦١ في جريدة (الجنوبي) السرية وفي ظلام حكم عبود وأكملها لاحقاً في صحيفة (ادڤانس) التي تولى رئاسة تحريرها بعد ثورة اكتوبر ١٩٦٤ وصدرت بعد ذلك في كتاب وتناولت وضع المديريات الجنوبية، وقد استفاد جوزيف قرنق من تجربته الأولى مع العم بوث ديو وتعليمه في المدارس التي تتبع للكنائس وأجرى في ذلك الكتاب مناقشات لاتزال بعض أجزائها ذات صلة بحوارات اليوم وقد قدم تحليلاً رفيعاً لتشكُل الحركة السياسية في جنوب السودان، واهتم بأهم التيارات التي شكلت ضمير حركة القوميين الجنوبيين وقياداتهم من بوث ديو وبولين إلير ولازال هذا الكتيب الموسوم ذو أهمية تاريخيّة وفعلية في صراعات عالم اليوم واسئلته المعقدة ولقد اقترحت على زكريا جوزيف قرنق في محادثة مؤخراً عقد مائدة اسفيرية للحوار حول كتاب مأزق المثقف الجنوبي احتفاءً بحياة جوزيف قرنق.

كان جوزيف قرنق فائق الحساسية في الحوار في كتابه مع القوميين الجنوبيين والذي تواصل عند مساهمته الهامة في صياغة بيان ٩ يونيو الشهير، وامتد اهتمامه حتى لحظاته الأخيرة في الحياة، ولقد ذكر لنا العم كلمنت بورو حينما قمنا بزيارته بمنزله في (نيروبي غرب) مع الراحل العزيز ادوارد لينو، والعم كلمنت هو أول جنوبي تولى وزارة سياديه ( وزارة الداخلية بعد ثورة اكتوبر ١٩٦٤) وهو مطلب من مطالب القوميين الجنوبيين وكلمنت بورو شارك في تشكيل المسرح السياسي للقوميين الجنوبيين وينحدر من نفس الجغرافيا التي اتى منها جوزيف قرنق وقد كانا على ضفتي نقيض في النظرة السياسية ومع ذلك حينما سألت العم كلمنت عن رأيه في جوزيف قرنق قال لي : انني اختلف معه لكنني احترمه، وحكى عن لقائه الأخير والقصير به ومن على البعد في سجن كوبر قبل إعدام جوزيف قرنق وكيف انه كان شجاعاً ومحترماً في اكثر لحظات حياته تعقيداً.

اثار جوزيف قرنق للقوميين الجنوبيين قضايا الاستغلال الداخلي واستغلال المركز العالمي ( بيت المرفعين- وبيت الأسد) واسئلة التبعية وآليات الاستعمار الجديد وإمكانية الوصول لأجندة مشتركة لبناء السودان، وهي نفس الاسئلة القديمة الجديدة التي أثارتها الحركة الشعبية ولا تزال مطروحة اليوم، وقد انحاز يوسف كوة للأجندة الوطنية التي تعزز روابط الوطنية السودانية في وجه النظرة القومية الضيقة.

لقد شكل القوميين الجنوبيين التيار الرئيسي داخل الحركة الشعبية وقاوموا رؤية السودان الجديد واستندوا على حائط صدهم القديم بضرورة انفصال جنوب السودان وزاد من قوة دفعهم تصاعد موجة الإسلام السياسي وإعلان الجهاد ضد الجنوبيين والنوبة وغيرهم ورغبة الاسلاميين في فصل جنوب السودان الذي يعتبرونه حجر عثرة في طريق مشروعهم الخرافي، وبإعلان مجموعة الناصر عن اجندتها في أغسطس ١٩٩١ الداعية لاعتماد حق تقرير المصير، دار حوار وحرب طويلة داخل الحركة الشعبية والجيش الشعبي ولعب يوسف كوة دوراً هاما ًفي مساندة ودعم أجندة السودان الجديد.

أذكر جيداً حواري مع دكتور جون قرنق حول ضرورة قيام المؤتمر العام الأول للحركة الشعبية للإجابة على أسئلة ما بعد الناصر، وقد كانت المخاوف في اختطاف المؤتمر وان يتوجه ضد اجندة السودان الجديد، وتكونت اللجنة التحضيرية للمؤتمر الأول برئاسة يوسف كوة مكي وقد كنت عضواً فيها ودارت فيها حوارات هامة مع ممثلين حقيقيين ومخلصين وفاعلين للقوميين الجنوبيين، وكان لرئاسة يوسف كوة للجنة والمؤتمر لاحقاً دوراً في توحيد الحركة. وقد كان صبوراً في تحمله للمواقف السلبية من القوميين النوبة الذين لا يرغبون في أجندة مشتركة مع القوميين الجنوبيين، وواجه ضغطاً من القوميين الجنوبيين الذين كانوا يرون ان وجود النوبة والشماليين عموماً يعقد مشكلة الجنوب، وقبلها حينما كان يوسف كوة في جبال النوبة اصطدم بالقوميين النوبة الذين طالب بعضهم الانضمام لمجموعة الناصر أو الذهاب للخرطوم، واجه يوسف كوة صعود تيار القوميين النوبة ومظالمهم داخل الحركة وتبنى خطاً استراتيجياً في الدفاع عن وحدة الحركة مع تقديم بعض التنازلات التكتيكية، وكون المجلس الاستشاري في جبال النوبة لادارة الحوار ولم يتنازل عن دعمه لقيادة جون قرنق ورؤية السودان الجديد رغم انقطاع الامداد العسكري عنه بسبب انقسام الحركة، وصبر حتى طور أشكال جديدة للإمداد.

نواصل..

٣ أبريل ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole