*الشرطة والنيابة العامة وتكميم افوه الصحفيين… بقلم. د. عبد الشكور حسن أحمد. المحامى*

في دولة القانون، لا تُبنى العدالة على الهوى، ولا تُدار النصوص بالتوسع أو المزاج، حقا يُحتكم إلى قواعد راسخة، من أهمها قاعدة: “الخاص يقيد العام”، وهي ليست مجرد عبارة فقهية، هو مبدأ أصيل استقر عليه القضاء والفقه، وأصبح من المسلمات التي لا تقبل الجدل. ولا التنظيير السخيف

غير أن ما نشهده اليوم من ممارسات في توجيه الاتهام ضد الصحفيين تحت مظلة قانون جرائم المعلوماتية، يمثل انحرافًا قانونيًا خطيرًا، يخل بميزان العدالة، ويهدر الضمانات التي كفلها المشرع للصحفيين بموجب قانون الصحافة والمطبوعات.وهو نوع من تكميم الافواه وجعل الصحفى شيطانا اخرس

أولاً: خصوصية قانون الصحافة والمطبوعات

قانون الصحافة والمطبوعات لم يُسن عبثًا، بل جاء لينظم مهنة ذات طبيعة خاصة، تتعلق بحرية التعبير، وحق المجتمع في المعرفة. ولذلك وضع المشرع لهذا القانون:

تعريفًا دقيقًا للصحفي والعمل الصحفي

ضوابط للنشر

آليات للمساءلة المهنية

ضمانات تحمي الصحفي من التعسف

فالمساءلة هنا ليست جنائية في المقام الأول، بل مهنية وتنظيمية، عبر مجالس الصحافة، قبل أن تكون عبر المحاكم.

ثانياً: قانون المعلوماتية… نطاقه وحدوده

قانون جرائم المعلوماتية، من ناحية أخرى، وُضع لمعالجة أفعال محددة، أبرزها:

الاختراق (القرصنة)

الاحتيال الإلكتروني

سرقة البيانات

الإساءة عبر الوسائط الرقمية

نشر المواد المخلة أو التشهير بقصد الإضرار

وهذه الأفعال بطبيعتها تقنية إجرامية، تختلف كليًا عن العمل الصحفي القائم على التحليل والرأي ونقل المعلومات.

ثالثاً: القاعدة الذهبية — الخاص يقيد العام

من المبادئ المستقرة:

إذا وُجد نص خاص ونص عام، يُعمل بالنص الخاص ويُهمل العام في نطاقه.

وقد أكدت ذلك العديد من السوابق القضائية، منها:

أحكام المحكمة العليا السودانية التي قررت أن:
القانون الخاص أولى بالتطبيق متى ما انطبقت شروطه، ولا يجوز تجاوزُه إلى العام.

وكذلك ما استقر عليه الفقه المقارن، خاصة في القضاء المصري، حيث قضت محكمة النقض بأن:
“النص الخاص يقيد النص العام، ويُعد استثناءً عليه، ولا يجوز التوسع في تطبيق العام مع وجود الخاص.”

رابعاً: القياس على القوانين الخاصة الأخرى

إذا نظرنا إلى قوانين مثل:

قانون القوات المسلحة

قانون الشرطة

فإن أي منسوبي هذه المؤسسات لا يُحاكمون بالقانون الجنائي العام مباشرة، بل وفق قوانينهم الخاصة، نظرًا لطبيعة عملهم.

فلماذا يُستثنى الصحفي من هذه القاعدة؟

هل العمل الصحفي أقل خصوصية من العمل العسكري أو الشرطي؟
أم أن حرية التعبير أصبحت عبئًا يُراد الالتفاف عليه؟

خامساً: الخطر القانوني في هذا التوجه

توجيه الاتهام للصحفيين تحت قانون المعلوماتية رغم وجود قانون خاص يحكمهم، يؤدي إلى:

1. إهدار مبدأ الشرعية القانونية

2. تقويض حرية الصحافة

3. فتح الباب للتعسف في استعمال السلطة

4. خلط العمل المهني بالفعل الإجرامي

كما أنه يُعد نوعًا من التحايل القانوني لاستخدام نصوص أشد، لتجريم أفعال لا تدخل في نطاقها.

سادساً: التكييف القانوني الصحيح

النشر الصحفي، حتى وإن احتوى على أخطاء، يظل:

إما رأيًا

أو تحليلًا

أو نقلًا لمعلومة

ولا يُجرّم إلا إذا ثبت:

الكذب المتعمد

القصد الجنائي للإضرار

وهو ما لا يتحقق بمجرد النشر.

سابعاً: دعوة للتصحيح

إننا أمام ضرورة ملحة لإعادة الأمور إلى نصابها، وذلك عبر:

التزام النيابة بتطبيق القانون الخاص (قانون الصحافة)

عدم التوسع في استخدام قانون المعلوماتية

احترام الضمانات الدستورية لحرية التعبير

إعمال الرقابة القضائية الصارمة على التكييف القانوني

خاتمة أولى

إن العدالة لا تتحقق فقط بإصدار الأحكام، بل تبدأ من حسن تطبيق القانون.
وتطبيق القانون الصحيح في مواجهة الصحفيين، ليس ترفًا قانونيًا، بل هو صمام أمان لحماية المجتمع من الاستبداد، وحماية الكلمة من التجريم.

فالصحافة ليست جريمة…
وإنما الجريمة الحقيقية هي محاكمة الرأي بقوانين لا تخصه.

ثامناً: وظيفة الصحفي في المجتمع — بين الرسالة والمسؤولية

إذا أردنا أن نفهم خطورة محاكمة الصحفي بغير قانونه، فعلينا أولًا أن نُدرك طبيعة وظيفة الصحفي ذاتها. فالصحفي ليس مجرد ناقل خبر، بل هو:

عين المجتمع التي ترى

أذنه التي تسمع

وصوته الذي ينطق بالحقيقة

الصحفي يؤدي وظيفة رقابية شعبية، تكشف الفساد، وتسلط الضوء على أوجه القصور، وتنقل معاناة الناس إلى دوائر القرار. وهذه الوظيفة في جوهرها امتداد لمبدأ الشفافية والمساءلة الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.

ولذلك، فإن أي تضييق على الصحفي لا يُعد استهدافًا لشخصه، بل هو استهداف مباشر لحق المجتمع في المعرفة.

تاسعاً: تكميم الأفواه… حين يُستخدم القانون كأداة

حين يتم توجيه الاتهام للصحفيين تحت قوانين لا تمت لعملهم بصلة، فإننا لا نكون أمام خطأ قانوني فحسب، بل أمام ظاهرة أخطر، هي تكميم الأفواه باستخدام القانون.

تكميم الأفواه لا يكون دائمًا بالمنع الصريح، بل قد يكون عبر:

الترهيب القانوني

فتح بلاغات تحت نصوص مشددة

إرهاق الصحفي بإجراءات طويلة

تهديده بعقوبات سالبة للحرية

وهنا يتحول القانون من أداة للعدالة إلى وسيلة للردع والإسكات.

عاشراً: أثر تكميم الصحافة على المجتمع

إن تقييد الصحافة لا يضر الصحفي وحده، بل ينعكس على المجتمع بأسره، وذلك من خلال:

1. حجب الحقائق عن الجمهور
في غياب الصحافة الحرة، تصبح المعلومات حكرًا على السلطة، ويُحرم المواطن من معرفة ما يجري حوله.

2. انتشار الشائعات
حين تغيب المعلومة الصحيحة، تنتشر الأخبار الزائفة، ويصبح المجتمع فريسة للتضليل.

3. غياب المساءلة
بدون صحافة حرة، لا توجد رقابة حقيقية على الأداء الحكومي أو المؤسسي.

4. إضعاف الثقة في الدولة
حين يشعر المواطن أن الحقيقة تُخفى عنه، تتزعزع ثقته في المؤسسات.

الحادي عشر: التكييف الخاطئ… بين سوء الفهم وسوء القصد

قد يُقال إن اللجوء إلى قانون المعلوماتية سببه أن النشر تم عبر وسائط إلكترونية، لكن هذا القول مردود عليه قانونًا، لأن:

الوسيلة لا تُغيّر من طبيعة الفعل

النشر الصحفي يظل عملاً صحفيًا حتى لو تم عبر الإنترنت

فالعبرة هنا ليست بالوسيط، بل بطبيعة النشاط ذاته.

أما إذا كان هناك توسع متعمد في استخدام قانون المعلوماتية، فإن ذلك يرقى إلى سوء استخدام السلطة التقديرية، وهو ما يخضع لرقابة القضاء.

الثاني عشر: السوابق القضائية والاتجاهات الحديثة

في العديد من الأنظمة القانونية الحديثة، اتجه القضاء إلى حماية الصحفيين من التوسع في التجريم، وأكد على:

ضرورة التفرقة بين الرأي والخبر

حماية النقد المباح

تضييق نطاق التجريم في قضايا النشر

وقد قضت محاكم عليا في عدة دول بأن:

حرية التعبير تشمل الآراء التي قد تصدم أو تزعج، طالما لم تتضمن تحريضًا أو كذبًا متعمدًا.

وهذا الاتجاه يتسق مع المبادئ الدستورية والمواثيق الدولية.

الثالث عشر: البعد الدستوري — حرية التعبير ليست منحة

حرية الصحافة ليست منحة من السلطة، بل هي حق دستوري أصيل، لا يجوز تقييده إلا في أضيق الحدود.

وأي تطبيق خاطئ للقانون يؤدي إلى تقييد هذه الحرية، يُعد:

مخالفة للدستور

وانتهاكًا للحقوق الأساسية

وسببًا لبطلان الإجراءات

الرابع عشر: بين القانون والعدالة

قد يُطبق النص، ولكن تغيب العدالة.
وقد تُرفع الدعوى، ولكن يُساء التكييف.

والعدالة الحقيقية لا تقوم إلا حين:

يُطبّق النص الصحيح

على الواقعة الصحيحة

في الإطار الصحيح

وأي خلل في هذه المعادلة، يفتح الباب للظلم.

خاتمة كبرى

إن محاكمة الصحفيين تحت قانون المعلوماتية، مع وجود قانون خاص ينظم مهنتهم، ليست مجرد مخالفة إجرائية، بل هي مساس بجوهر العدالة وحرية المجتمع.

فالصحفي ليس مجرمًا،
والقلم ليس سلاحًا،
والحقيقة لا ينبغي أن تُحاكم.

إننا أمام مفترق طرق:
إما أن نُرسخ دولة القانون، حيث يُحاكم كل شخص وفق قانونه الطبيعي،
أو نفتح الباب لفوضى قانونية، تُستخدم فيها النصوص لإسكات الأصوات.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة:

إذا صمت الصحفي… صمتت الحقيقة.

وإذا صمتت الحقيقة… تكلم الظلم.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole