قرأتُ باهتمام المقال المتداول للأستاذ لؤي إسماعيل حول “مخاطر” بيع العقارات في الخرطوم، ورغم نبل المقصد وخوفه المشروع على الهوية، إلا أنني كخبير عقاري أرى المشهد من زاوية مغايرة تماماً، زاوية ترتكز على الحق الدستوري، والمرونة الاقتصادية، وواقع السوق الحقيقي، كما أن قراءة المشهد بعين “أمنية” محضة هي قراءة قاصرة، تظلم المواطن وتتجاهل أبجديات الاقتصاد في زمن الأزمات.
النجاة الفردية هي عصب البقاء الجماعي
لا يمكننا لوم المواطن الذي صمد لشهور تحت القصف، وفقد مصدر رزقه، حين يقرر اليوم بيع عقاره ليؤمن مستقبلاً لأبنائه أو ليبدأ مشروعاً جديداً في أرض الله الواسعة. “البيوت” ليست سجوناً لأصحابها، بل هي أصول وُجدت لخدمة الإنسان لا العكس. مناداة الدولة بالتدخل لتقييد البيع هي دعوة لتعطيل “الحق في التصرف”، وهو ما قد يؤدي لنتائج عكسية تماماً، ويزيد من خنق المواطن الذي لا يملك من حطام الدنيا غير جدران منزله.
المشتري ليس دائماً “عدواً”
الحديث عن أن كل مشتري هو “غاسل أموال” أو “مخرب ديموغرافي” هو تعميم يضر بمناخ الاستثمار. الخرطوم، كعاصمة، كانت دائماً بوطقة تنصهر فيها كل مكونات السودان. دخول سيولة جديدة إلى السوق -حتى في ظروف الحرب- هو مؤشر على الثقة في مستقبل المدينة. المستثمر الذي يضع ملايين الدولارات في عقار بالخرطوم اليوم، هو في الحقيقة “يراهن” على استقرار الدولة، وبقاؤه مرتبط ببقاء الأمن، وهذا في حد ذاته صمام أمان وليس مصدر خطر.
الخوف من “تغيير هوية المكان” هو خوف كلاسيكي يظهر في كل المدن التي تمر بأزمات. لكن التاريخ العقاري يقول إن القيمة الحقيقية للأرض تفرض نفسها. الأحياء مثل “الرياض” و”المنشية” وشرق الخرطوم عموما لها ثقل اجتماعي وتجاري لا يتغير بتغير أسماء الملاك، بل يتطور بضخ دماء ورؤوس أموال جديدة قادرة على الصيانة والترميم، في وقت عجز فيه الملاك الأصليون عن ذلك بسبب ظروف الحرب.
دور الدولة التنظيم لا المنع
نحن لا نحتاج “لمنع البيع” أو “التحقيق الأمني” في كل صفقة، فهذا يطرد رؤوس الأموال الوطنية ويخلق سوقاً سوداء للعقارات. المطلوب هو تبسيط إجراءات نقل الملكية ورقمنتها، وتفعيل دور “المثمن العقاري القانوني” لضمان عدم الغبن. الدولة القوية هي التي تحمي “سلاسة السوق” وتضمن سيادة القانون، لا التي تضع المتاريس أمام حركة المال والملكيات.
الخرطوم مدينة حية لا تموت بالبيع
البيوت التي تُباع اليوم ستُعمر غداً. والخرطوم التي استوعبت الجميع لمئات السنين، قادرة على استيعاب الملاك الجدد دون أن تفقد روحها. الأرض تظل أرضاً، والسيادة الحقيقية للدولة تُفرض بالقانون والمؤسسات، لا بحبس المواطنين داخل أصولهم العقارية.
دعوا السوق يتنفس، ودعوا الناس يقرروا مصائرهم، فالعمار لا يأتي بالخوف.. بل بالحرية وحركة المال.




