في كل مرة يخرج فيها بنك السودان المركزي بأرقام “مبشرة”، يكون هنالك سؤال : هل نحن نعيش في نفس البلد؟ أم أن هناك سودانين .. واحد في التقارير وأخر في الأسواق؟
يقول البنك المركزي إن التضخم إنخفض من 60.3% إلى 56.4%.
لكن السؤال: هل إنخفضت الأسعار؟ هل تراجع سعر الرغيف؟ هل أصبح شراء الوقود أو الدواء أسهل؟ الواقع يصرخ: لا.
دعونا نناقش الموضوع بعيداً عن التضخم الحاصل هذه الأيام بسبب الحرب الإقليمية، فالتضخم الحاصل في السودان سابقاً الإنخفاض فيه ليس إنخفاضاً حقيقياً، فالمواطن لا يتعامل مع “نسب”، بل مع أسعار، والأسعار ما زالت ترتفع، والقدرة الشرائية تنهار، والجنيه يترنح بلا سند حقيقي.
فبأي منطق يتم تقديم هذا “التراجع الطفيف” وكأنه إنفراجة إقتصادية؟
أما الحديث عن الصادرات والواردات، فهو أكثر إثارة للقلق.
صادرات بقيمة 4.3 مليار دولار مقابل واردات تقارب 10 مليارات دولار! هذا ليس ميزان مدفوعات .. هذا نزيف مفتوح، فهنالك عجز تجاري يقترب من 5.6 مليار دولار.
هذا يعني ببساطة أن البلاد تستهلك أكثر مما تنتج، وتعتمد على الخارج في كل شيء تقريباً، من الغذاء إلى الوقود إلى أبسط مقومات الحياة، مع شح العملات الأجنبية.
أين الإنتاج؟ أين الصناعة؟ أين الزراعة التي كانت يوماً عماد الإقتصاد؟
فهذا ليس إقتصاداً مختلاً فحسب، بل إقتصاد يعيش على “الأوكسجين الخارجي”، وأي توقف في هذا الأوكسجين سواء عبر توقيف التحويلات، أو توقيف المساعدات، أو توقيف الديون يعني إختناقاً فورياً.
أم أن الإقتصاد أصبح مجرد أرقام تُجمّل في نشرات، بينما الواقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم؟
فحين يتم تجميل الواقع، يفقد الناس الثقة، وتتحول المؤسسات من مصدر طمأنينة إلى مصدر سخرية.
الشفافية لا تعني عرض الأرقام فقط، بل الإعتراف بحجم الأزمة، ووضع حلول حقيقية لها.
ختاماً
المشكلة الحقيقية ليست في التضخم .. بل في هيكل الإقتصاد نفسه:
– إنتاج ضعيف وموسمي
– صادرات خام بلا قيمة مضافة
– إعتماد شبه كامل على الإستيراد
– غياب سياسة نقدية فعالة تضبط السوق
– إنفصال واضح بين المؤسسات والواقع
السودان لا يعاني من تضخم مرتفع فقط .. فالسودان يعيش حالة إختلال اقتصادي مزمن، وأي حديث عن “تحسن” دون إصلاح جذري هو مجرد إعادة صياغة للأزمة بلغة أكثر أناقة.
فالتضخم ليس مرضًا .. بل عرضاً لمرض أخطر



