*يفتح الله! وغياب خروف العيد أحمد إبراهيم أبوشوك*

بعد أن فرغتُ من أداء صلاة العيد في المسجد المجاور بأحد أحياء مدينة الدوحة، خيّل إليَّ أن طقوس عيد الأضحى قد انطفأت سريعاً بانتهاء التكبيرات وانفضاض المصلين إلى بيوتهم. وفي تلك اللحظة تسللت إلى ذاكرتي مضابط الحوار المؤلم بين شيخ محجوب وحسين التاجر في رواية نخلة على الجدول للأديب الطيب صالح، رحمه الله، فعاد المشهد بكل ما فيه من وجع الكرامة وضيق الحال. وتداخلت صورة شيخ محجوب العاجز عن شراء خروف الأضحية مع واقع أهلنا في السودان اليوم؛ أولئك الذين أرهقتهم الحرب، وأثقلتهم الفاقة، وجعلت كثيراً منهم يستقبلون العيد بقلوبٍ مثقلة بالحزن، بينما يغيب خروف الضحية عن ساحات البيوت وتبقى تكبيرات المساجد وحدها تبث شيئاً من السكينة، وتوقظ في النفوس بشائر الأمل في غدٍ تعود فيه الحياة إلى نصابها، ويسترد الوطن أمنه وطمأنينته ودفء أعياده القديمة.

ويبدأ المقطع المستل من الرواية بعبارة “يفتح الله”!
“عشرون جنيهًا يا رجل تحل منها ما عليك من دين، وتصلح بها حالك. وغداً العيد، وأنت لم تشتر بعد كبش الضحية، وأقسم لولا أنني أريد مساعدتك، فإن هذه النخلة لا تساوي عشرة جنيهات، وتململ حمار حسين التاجر في وقفته، ولم يكن صاحبه قد ترجَّل عنه، فإنه لم يرد أن يظهر لشيخ محجوب تلهفه على شراء النخلة ذات البنات الخمس، التي يسميها السودانيون في الشمال “الأساسق”. يقول محجوب على لسان الراوي: “أجل، غداً عيد الأضحى حين يخرج الناس مع شروق الشمس في ثيابهم النظيفة الجديدة، ويصلون مجتمعين على مقربة من ضريح الشيخ صالح. وإذ يعودون إلى بيوتهم تنضح وجوههم بالبشر والسعادة، وتسيل دماء الأضاحي، ويقبل الأضياف ويخرجون، ويتردد في الحي صدى ضحكاتهم، أما هو … أما بيته …؟ إنه لا يملك ثوباً نظيفاً يخرج به إلى الصلاة، وليس عند زوجته غير “ثوب زراق” اشتراه لها قبل شهرين نال منه البلى وتراكمت عليه الأوساخ. أما ابنته خديجة فقد كادت تفتت قلبه ببكائها من أجل ثوب جديد تعرضه على الداتها وتعيّد به مع صاحباتها. ومن أين له جنيهات ثلاثة يشتري بها خروفاً يضحي به؟”

تعليق
في هذا المقطع البديع من رواية نخلة على الجدول، يستحضر الطيب صالح مأساة الإنسان الريفي في السودان بلغةٍ شفيفة تمزج بين الشعر والسرد، وتلامس شغاف القلب بصدقها الإنساني العميق، ولا سيما في ظل هذه الحرب اللعينة التي أثقلت كاهل الناس وبدّدت أمنهم وطمأنينتهم. فالنخلة هنا ليست مجرد شجرة، بل رمزٌ للذاكرة والجذور وكرامة العيش، وجزءٌ من روح الإنسان وتاريخه الحميم مع الأرض والنيل. وبين صمت شيخ محجوب المثقل بالفقر والعجز عن شراء خروف الأضحية، وزهو حسين التاجر المتخم بمظاهر الثراء، تتجلى قسوة التحولات الاجتماعية في مشهدٍ موجع يخلو من الخطابة المباشرة، فيما تتماهى الطبيعة مع وجدان الشخصيات؛ فالساقية الحزينة، والنسمات القادمة من النيل، وضباب الذكريات، كلها تشارك في رسم لوحة إنسانية آسرة يختلط فيها الحنين بالألم. ويبلغ النص ذروته الوجدانية حين يعود محجوب بذاكرته إلى لحظة غرس النخلة الصغيرة، فيستعيد الطيب صالح علاقة الإنسان السوداني بالأرض بوصفها علاقة محبة وبركة وانتماء، لا مجرد موردٍ للعيش، فيغدو بيع النخلة أشبه باقتلاع جزءٍ من الروح، بينما يخيم الحزن على الأسرة لعجزها عن إحياء سنة الأضحية. إنها تقلبات الزمن ومظالم الحياة حين تنكسر النفوس تحت وطأة الحاجة والحرب. نسأل الله أن يمنّ على أهل السودان بالأمن والاستقرار، وأن يرفع عنهم معاناة الحرب والنزوح، ويجمع شملهم على المحبة والوئام، ويعيد للوطن عافيته وسكينته ودفء أيامه الجميلة.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole