السؤال ليس: هل التشيّع مذهب ديني أم مشروع سياسي؟ لأن الإجابة الدقيقة أن التشيّع، كغيره من المذاهب الإسلامية، مدرسة دينية فقهية وعقدية لها تراثها وعلماؤها ومرجعياتها، وهو أحد المذاهب الإسلامية الثمانية المعروفة التي جرى الاعتراف بها تاريخياً، واستقر رأي عدد من العلماء على أنه لا يجوز إطلاق التكفير عليها على العموم.
لكن السؤال الحقيقي هو: متى يتحول الدين من منظومة إيمانية وفقهية إلى أداة صراع على السلطة؟
هنا تبرز التجربة الإيرانية بوصفها النموذج الأوضح لاختطاف المذهب وتسييسه،فالتشيّع الاثنا عشري، في بنيته الفقهية التقليدية، لم يكن قائماً على فكرة أن الفقيه يحكم الدولة باسم الدين حكماً مطلقاً.
المرجعية كانت، في أصلها، مرتبطة بالإفتاء وشؤون التقليد الفردية،العبادات، والمعاملات، والأحوال الشخصية، والالتزامات الدينية الخاصة بالمكلّف،أما الحكم السياسي الشامل، أو ما عُرف لاحقاً بـ«ولاية الفقيه العامة»، فلم يكن هو المعتمد عند جمهور المرجعيات التقليدية، لأن التصور العقدي السائد كان يربط قيام الدولة الشرعية الكاملة بظهور الإمام الغائب.
ما الذي حدث إذن؟
ما فعله الخميني لم يكن مجرد اجتهاد فقهي عابر، بل إعادة صياغة للمفهوم نفسه لخدمة مشروع سياسي كامل،حيث نقل ولاية الفقيه من نطاقها المحدود إلى سلطة سياسية مطلقة، بحيث يصبح المرشد الأعلى نائباً عن الإمام الغائب، وتتحول طاعته من مسألة دينية شخصية إلى قاعدة حكم ودولة ونفوذ عابر للحدود. وهنا وقع التحول الحاسم: من مذهب ديني إلى أيديولوجيا سياسية.
ولم يكن ذلك شأناً إيرانياً داخلياً فحسب، بل ارتبط منذ البداية بإعلان سياسي صريح،تصدير الثورة، وبناء الامتداد السياسي خارج الحدود، وصناعة شبكات ولاء مذهبية تخدم مشروع الدولة الإيرانية.
لكن هل الظاهرة حصرية على البيئة الشيعية؟
الإجابة: لا.
ففي البيئة السنية، شهدنا تجربة مشابهة في جوهرها، وإن اختلفت في الأدوات والسياقات، مع الإخوان المسلمين،فأهل السنة والجماعة، في فهمهم العقدي التقليدي، لديهم تصورات مستقرة في مسائل الحكم والطاعة والمعصية والتكفير، ومن ذلك مفهوم الحكم بما أنزل الله، الذي تناوله علماء السلف باعتباره باباً له تفصيله الشرعي، وليس حكماً واحداً جامداً يُنزَّل على كل واقع بالطريقة نفسها، بل كما ورد في الأثر: “كفر دون كفر” في سياقات معلومة عند أهل العلم.
لكن مع صعود الإسلام السياسي الحركي، جرى إعادة توظيف مفهوم الحاكمية وتحريفه عن مساره الفقهي التقليدي، وتحويله من مسألة عقدية ذات تفصيلات معروفة إلى شعار تعبوي سياسي. وهنا يبرز أبو الأعلى المودودي، وحسن البنا، وسيد قطب بوصفهم من أبرز الأسماء التي ارتبطت بهذا التحول الفكري، حيث جرى تقديم الحاكمية باعتبارها مركز الصراع السياسي والديني، ثم بُني على هذا الفهم مشروع تنظيمي حزبي كامل.
ومن هذا المسار خرجت لاحقاً، بدرجات متفاوتة، تنظيمات أكثر تشدداً وعنفاً؛ من التكفير والهجرة، والجهاد، إلى القاعدة، ثم داعش.
المقارنة هنا ليست بين المذهبين، بل بين آلية التسييس.
الخميني أعاد تفسير ولاية الفقيه ليصنع مشروع الدولة الثورية الشيعية، والإخوان أعادوا توظيف مفهوم الحاكمية ليصنعوا مشروع الإسلام السياسي السني.
في الحالتين، جرى نقل مفهوم ديني من سياقه الفقهي التقليدي إلى مشروع تعبئة سياسية وصراع على السلطة،في الحالتين، تحوّل الدين من مرجعية إيمانية إلى أداة مشروع سياسي،وفي الحالتين أيضاً، لا يجوز الخلط بين المذهب نفسه وبين المشروع السياسي الذي استند إليه.
فكما أن الإخوان المسلمين لا يمثلون أهل السنة والجماعة بكل مدارسهم ومذاهبهم، فإن ولاية الفقيه الإيرانية لا تمثل التشيّع كله، بدليل وجود مراجع شيعية كبيرة عارضت هذا المفهوم، وبعضها دفع أثماناً باهظة لموقفه.
الخطر يبدأ دائماً حين يُختطف الدين لصالح السياسة، ثم تُمنح السياسة قداسة الدين




