*موطئ قلم د. أسامة محمد عبدالرحيم حرب السودان… من رهانات الحسم إلى بيئة الاستنزاف*

لكل حربٍ عمرها الزمني، لكن العمر وحده لا يفسر حقيقتها ولا يكشف اتجاهها. فالحروب الطويلة لا تنتمي إلى نمطٍ واحد، إذ تمضي بعضها—رغم كلفتها—نحو لحظة حسم تفرض واقعًا جديدًا وتفتح الطريق لاستقرارٍ لاحق، بينما تنزلق أخرى إلى مسارٍ أكثر تعقيدًا وخطورة؛ مسارٍ لا يُقاس بطول القتال أو بعدد المعارك وحدهما، وإنما بما يتركه من أثرٍ عميق في الدولة والمجتمع والاقتصاد. وفي هذا المسار يفقد القتال تدريجيًا حدوده كأداة لتحقيق أهداف محددة، ويتحول إلى بيئة استنزافٍ مفتوح تتجاوز ميادين الاشتباك لتطال الموارد والمؤسسات والبنية الاجتماعية معًا.

ومن هذه الزاوية تبدو الحرب السودانية، بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاعها، أمام لحظة تستحق قراءة مختلفة لا تكتفي بسرد الوقائع أو متابعة الخرائط الميدانية، بل تتجه إلى فهم طبيعة المسار الذي تتحرك داخله الحرب نفسها، في ظل مؤشرات توحي بأن منطق الاستنزاف بات يفرض حضوره إلى جانب رهانات الحسم ومعادلاته.

فالفرق بين حرب الحسم وحرب الاستنزاف ليس فرقًا في شدة القتال أو طول مدته فحسب، وإنما في طبيعة الغاية التي يخدمها الصراع. فالحسم—بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول أدواته—يستهدف إنهاء حالة الحرب وفرض واقع سياسي أو أمني جديد، بينما تقوم حروب الاستنزاف على إطالة الصراع وإدامة كلفته بحيث يصبح إنهاك الخصم أو إضعاف الدولة جزءًا من المعركة نفسها.

وفي هذا النوع من الحروب، قد لا يكون المطلوب تحقيق انتصارٍ كامل بقدر ما يكون المطلوب منع الاستقرار، وتعطيل التعافي، وإبقاء الدولة تحت ضغطٍ دائم يستنزف مواردها ويُربك قرارها ويحد من قدرتها على استعادة توازنها.

ومن الصعب قراءة ما جرى في السودان بمعزلٍ عن هذه المعادلة. فالحرب التي بدأت كمواجهة عسكرية مباشرة تجاوزت سريعًا حدود الاشتباك التقليدي، واتسعت آثارها لتطال المجال الاجتماعي والاقتصادي والخدمي والسيادي. ولم تعد المعركة تدور فقط حول السيطرة الميدانية أو المواقع العسكرية، وإنما امتدت إلى بنية الدولة نفسها وإلى قدرتها على العمل والاستمرار.

ويظهر ذلك بوضوح في الاستنزاف العسكري والاجتماعي الذي خلفته الحرب. فسنوات القتال الطويلة لا تستهلك المقاتلين وحدهم، وإنما تترك آثارًا عميقة في المجتمع أيضًا؛ إذ تتآكل شبكات الحياة الطبيعية، وتتسع دوائر النزوح واللجوء، وتتعرض العلاقات الاجتماعية لضغوطٍ قاسية، وتتآكل أنماط الحياة المستقرة، بينما تنشأ أجيال جديدة في بيئة يطغى عليها الاضطراب وانعدام اليقين.

وفي الحروب الممتدة، يصبح الإرهاق المجتمعي أحد أخطر نتائج الصراع؛ ليس فقط بسبب الخسائر المباشرة، وإنما لأن استمرار الحرب يعيد تشكيل المزاج العام وأنماط التفكير والسلوك، ويخلق حالة من الاعتياد التدريجي على الاستثناء والعنف والهشاشة.

ولا يقل عن ذلك خطورة الاستنزاف الاقتصادي الذي يمثل، في كثير من الأحيان، الوجه الأقل ظهورًا للحرب والأشد تأثيرًا على مستقبل الدول. فالاقتصاد لا يتضرر فقط بتراجع الإنتاج أو تعطيل الأسواق، وإنما بإعادة توجيه الموارد من التنمية والخدمات إلى مقتضيات البقاء وإدارة الأزمة.

وقد دفعت الحرب السودانية كلفة اقتصادية باهظة تمثلت في تعطل قطاعات الإنتاج، وتراجع النشاط التجاري والاستثماري، واضطراب سلاسل الإمداد الداخلية، واستنزاف الموارد العامة، فضلًا عن الأعباء الاجتماعية المتزايدة الناتجة عن النزوح والبطالة واتساع دائرة الفقر.

ومع الاقتصاد، تعرضت البنية التحتية لضربات متلاحقة لا تقتصر آثارها على زمن الحرب وحده، وإنما تمتد إلى سنوات ما بعدها. فالكهرباء والمياه والطرق والجسور والمنشآت العامة والخدمات الأساسية ليست مجرد أصول مادية قابلة للإصلاح السريع، بل هي شرايين الدولة الحديثة وأحد شروط تعافيها واستقرارها.

ولهذا فإن تدمير البنية التحتية أو تعطيلها لا يمثل خسارةً خدمية فحسب، وإنما يرفع كلفة إعادة الإعمار ويؤخر استعادة النشاط الاقتصادي ويُبقي المجتمع لفترة أطول داخل دائرة الهشاشة والاعتماد على المساعدات والمعالجات المؤقتة.

ومن هنا يرتبط الحديث عن الاستنزاف الاقتصادي بما يُعرف باقتصاد الحرب، وهو مفهوم لا يقتصر على تمويل العمليات العسكرية، وإنما يشمل الشبكات والمصالح والأنشطة التي تنشأ حول استمرار الصراع وتستفيد—بصورة مباشرة أو غير مباشرة—من بقائه.

فالحروب الطويلة تخلق بيئات اقتصادية موازية، تتداخل فيها التجارة غير النظامية، والتهريب، ووسطاء السلاح، وشبكات التمويل، والمكاسب السياسية والأمنية المرتبطة بإدامة النزاع. وفي مثل هذه البيئات، يصبح إنهاء الحرب أكثر تعقيدًا لأن الصراع لا يعود مجرد مواجهة بين أطراف متقاتلة، بل يتحول إلى منظومة مصالح يصعب تفكيكها بسهولة. وعندما تتشابك المصالح الاقتصادية مع استمرار القتال، لا يبقى الاستنزاف نتيجةً للحرب فحسب، بل قد يتحول—عند بعض الشبكات والفاعلين—إلى مصلحةٍ ترتبط ببقائها.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في الحالة السودانية، حيث ظل استمرار سلاسل الإمداد—بأشكالها المختلفة—عاملًا مؤثرًا في إطالة أمد الحرب واستمرار الاستنزاف. فالحروب لا تستمر بالإرادة المجردة أو الخطاب السياسي وحده، وإنما بوجود تدفقات متواصلة من السلاح أو التمويل أو الدعم اللوجستي أو الغطاء السياسي الذي يسمح للصراع بالبقاء والتجدد.

ولهذا فإن أي قراءة جادة للحرب لا يمكن أن تتجاهل أثر الإمدادات الخارجية أو شبكات الدعم المرتبطة بها، لأن استمرار هذه التدفقات كثيرًا ما يمد النزاعات بطاقة إضافية تمنع إنهاكها الطبيعي أو وصولها إلى نقطة الحسم أو التسوية.

فكل إمدادٍ جديد لا يضيف قدرةً قتالية فحسب، بل يضيف زمنًا جديدًا للحرب نفسها. فاستمرار التدفقات العسكرية أو المالية أو اللوجستية لا ينعكس فقط على موازين القوة الميدانية، وإنما يؤثر مباشرة في طبيعة الصراع ومساره؛ إذ قد يؤجل لحظة الحسم ويُطيل أمد المواجهة، بحيث يصبح الاستنزاف نفسه جزءًا من المعادلة. وعندها تتحول الحرب—شيئًا فشيئًا—من مواجهة تتجه نحو نهايةٍ محتملة إلى صراعٍ يكتسب أسباب استمراره من داخله ومن حوله، وتتراكم كلفته على الدولة والمجتمع معًا.

ومن هنا أيضًا تتقاطع الحرب السودانية مع أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين. فالحروب المعاصرة نادرًا ما تبقى محلية بالكامل، بل تتحول إلى مساحات تتقاطع فيها المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية للدول والقوى المختلفة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع الفاعلين الخارجيين يسعون بوعي إلى استمرار الحرب، غير أن تضارب المصالح الإقليمية والدولية واختلاف تقديرات الحل قد يقود عمليًا—بقصد أو بغير قصد—إلى إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص إنهائه.

فبين الدعوات السياسية، والتحركات الدبلوماسية، والدعم المباشر أو غير المباشر، والرهانات المتبادلة بين القوى المختلفة، تجد الحروب الطويلة أحيانًا بيئة تسمح لها بالاستمرار أكثر مما تسمح لها بالتوقف.

ولعل أخطر ما في منطق الاستنزاف أنه لا يستنزف طرفًا واحدًا بالضرورة، بل قد يستنزف الدولة والمجتمع معًا. فالحرب التي لا تتجه نحو حسمٍ أو سلامٍ قابل للحياة، تتحول مع الوقت إلى نزيفٍ مفتوح تتراجع فيه قدرات الدولة وتزداد فيه كلفة التعافي ويصبح المستقبل نفسه أكثر هشاشة.

ولهذا لا تبدو القضية في السودان مجرد استمرار للقتال أو تأخر للحل، وإنما تتصل بطبيعة المسار الذي تُدار داخله الحرب. فكلما طال أمد النزاع دون أفقٍ واضح للحسم أو السلام، ازداد خطر تحوله إلى بيئة استنزافٍ مزمنة تعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع والسياسة وفق شروط الحرب نفسها.

فالميدان لا يحتكر وحده كتابة النتائج النهائية للحروب، لأن بعض آثار الصراع تسري في جسد الدولة حتى بعد تراجع القتال أو تغير خطوط السيطرة. فثمة حروب تبلغ نهاياتها العسكرية بينما يبقى الاستنزاف حاضرًا في الاقتصاد والمجتمع ومؤسسات الدولة، وثمة دول تتجاوز لحظة الخطر المباشر لكنها تخرج مثقلةً بخسائر اقتصادية واجتماعية ومؤسسية تجعل التعافي نفسه معركة أخرى تمتد آثارها لسنوات طويلة.

وربما لا يكمن الخطر الأكبر في الحروب الطويلة في استمرار القتال وحده، وإنما في اعتياد منطق الاستنزاف نفسه؛ فالحرب حين تطول لا تستهلك الموارد والدول فحسب، بل تُعيد تشكيل العقول والحسابات أيضًا. وعند تلك اللحظة يصبح الخراب مألوفًا، والتعافي مؤجلًا، ويغدو استمرار الحرب—في وعي بعض الفاعلين وحساباتهم—أقل كلفةً وأسلم من حيث نتائج توقفها وما قد يترتب عليه من تحولاتٍ أو استحقاقات أو إعادة ترتيبٍ للمشهد.

الاربعاء 3 يونيو 2026م

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole