في الثالث عشر من يوليو 2026 أقر مجلس الاتحاد الأوروبي حزمة عقوبات جديدة تستهدف قطاع الذهب السوداني في خطوة وصفتها بروكسل بأنها ضرورية لتجفيف أحد أهم مصادر تمويل الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023. ينص القرار على حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب الصادر من السودان كما يحظر بيع أو توريد أو نقل أو تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان وهما المادتان الأساسيتان المستخدمتان في استخلاص الذهب بالطرق التقليدية. وشمل الحظر أيضاً الخدمات المرتبطة بهذه العمليات من مساعدة فنية ووساطة ودعم مالي. هذا القرار الأوروبي ليس معزولاً عن سياق الموقف الأوروبي المتحامل تجاه السودان كدولة والصامت بتعمد عن الدولة التي تدعم المليشيا المتمردة وتستفيد من أغلب الذهب السوداني المهرب. الموقف الأوروبي يأتي امتداداً لإطار العقوبات اللا قانوني الذي تبناه الاتحاد الأوروبي على السودان منذ أكتوبر 2023 لاستهداف الأفراد والكيانات التي يفترض انها تقوض الاستقرار والانتقال السياسي بما في ذلك فرض الاتحاد عقوبات على 18 فرداً وثماني كيانات حتى الآن. وبررت بروكسل خطوتها الجديدة بأن الذهب أصبح مصدراً رئيسياً للإيرادات التي تغذي الصراع في السودان.
لفهم حجم الرهان لا بد من العودة للأرقام. فبعد انفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان السودان لعائدات النفط تحول الذهب إلى الممول الأول للموازنة العامة والنقد الأجنبي. ووفق تقرير بيم ريبورتس في شهر مارس 2025 بلغ إنتاج السودان من الذهب ذروته عام 2015 بنحو 107 أطنان تقريباً ما جعله ثالث أكبر منتج في أفريقيا. ورغم اندلاع الحرب لم يتوقف الإنتاج بل تصاعد بشكل لافت حيث ارتفع إنتاج السودان من الذهب إلى 70 طناً في 2025 صعوداً من 64 طناً في 2024 بحسب تقرير لجمعية الماس الذكي الدولية في مايو 2026.
لكن المفارقة الأخطر تكمن في الفجوة بين الإنتاج والتصدير الرسمي. فبحسب سودان تريبيون من أصل 70.15 طناً أُنتجت بين 2023 و2025 لم تسجل عبر القنوات الحكومية الرسمية سوى نسبة ضئيلة مع اختفاء أكثر من 55 طناً في اقتصاد الظل خارج الخزينة العامة. وحسب سودان تريبيون بتاريخ 15 يناير 2026 أكد وزير المالية د. جبريل إبراهيم في تصريحات لوكالة فرانس برس أن 20 طناً فقط من أصل 70 طناً أُنتجت في 2025 صدرت عبر القنوات الرسمية. وتشير تقديرات أخرى إلى نسب أعلى. تقرير تشاتام هاوس في مارس 2025 يوضح أن التهريب إلى مصر وحدها قد يفوق 100 كيلوغرام يومياً أي أكثر من 60 طناً منذ اندلاع الحرب فيما تراوحت تقديرات مختلفة لنسبة التهريب الكلية بين 50 و70% حسب African Gold Report وقدرت منظمة سويس إيد أن نحو 200 طن من الذهب السوداني هربت إلى دول الجوار بين 2012 و2023 قبل أن تصدر رسمياً أو تهرب من هناك إلى الإمارات. هذه الفجوة تعني ببساطة أن السودان يخسر سنوياً مليارات الدولارات من عائدات كان يمكن أن تدعم الموازنة العامة خصوصاً أن محللين اقتصاديين يرون أنه لو تمكنت الدولة من كبح التهريب فقد تصل عائدات الذهب إلى 7 مليارات دولار سنوياً.
القرار الأوروبي المعيب بصورته الحالية يستهدف بالأساس الذهب الخام غير المصنع الذي يخرج دون رقابة عبر شبكات التهريب والموانئ والمطارات غير الخاضعة للإشراف. وهنا يكمن مربط الفرس فالحظر لا يعاقب فعلياً الشبكات غير الرسمية التي أصلاً لا تصدر عبر القنوات الشرعية إلى أوروبا بل يضع ضغطاً إضافياً على القنوات الرسمية الهشة أصلاً بينما تستمر تدفقات التهريب نحو الإمارات وآسيا خارج نطاق أي عقوبة أوروبية. بعبارة أخرى فأوروبا ليست السوق الرئيسية للذهب السوداني أصلاً فالوجهة الكبرى تاريخياً هي الإمارات ومن خلفها أسواق آسيا. لذلك فإن الأثر المباشر للعقوبة على حجم الصادرات محدود نسبياً ولكن أثرها الرمزي والسياسي أكبر بكثير فهي تصنف الذهب السوداني كذهب نزاع ما قد يدفع مصافي التكرير والبنوك الدولية إلى مزيد من الحذر في التعامل معه حتى عبر أسواق وسيطة مثل الأمارات مما يقلل قيمته السوقية كثيراً. هنا يمكن أن تكمن الفرصة الحقيقية أمام الحكومة السودانية عبر تحويل الأزمة إلى محطة لإعادة هيكلة قطاع الذهب من جذوره بدل الاكتفاء برد فعل دفاعي.
إن إنهاء تصدير الخام والانتقال إلى الذهب المصنع والمختوم بدل تصدير الذهب كسبائك خام مجهولة المصدر من شأنه أن يمكن السودان من بناء صناعة تكرير وسبك محلية معتمدة دولياً وفق معايير الرابطة العالمية لسوق السبائك LBMA بحيث يخرج المنتج مختوم بعلامة صنع في السودان مع شهادة منشأ وتتبع كامل للسلسلة على غرار ما فعلته دول مثل غانا وتنزانيا. هذا وحده سوف يرفع القيمة المضافة للطن الواحد بنسب تتراوح بين 15 و25% مقارنة بتصدير الخام فضلاً عن أنه يفكك حجة ذهب النزاع التي تستند إليها العقوبات الغربية. كذلك يجب تفعيل مصفاة الدوحة حيث وقعت الحكومة السودانية بالفعل في مايو 2024 اتفاقاً مع دولة قطر الشقيقة لإنشاء مصفاة ذهب جديدة في الدوحة لمعالجة صادرات السودان وهذا المشروع – إن تم تفعيله بجدية – يمنح السودان قناة تصدير رسمية موازية بعيدة عن الأسواق الأوروبية المتشددة مع الحفاظ على معايير الشفافية التي تطمئن المشترين الدوليين. من الضروري أيضاً إعادة هيكلة التعدين الأهلي. فالقطاع التقليدي هو العمود الفقري للإنتاج إذ أنتج التعدين الأهلي في 2024 نحو 53.71 طن أي 83% من الإجمالي الرسمي بواسطة نحو مليوني عامل حسب تقرير موقع Africa gold suppliers لعام 2026 بل إن عدد العاملين في هذا القطاع تضاعف إلى نحو 4 ملايين شخص مقارنة بمليونين قبل الحرب حسب Divan centre. دمج هذه الكتلة البشرية الهائلة في منظومة رسمية عبر تعاونيات مرخصة وأسعار شراء تنافسية من الدولة – بدل تركها فريسة للسماسرة وشبكات التهريب – كفيل وحده بتقليص نسبة التسرب بشكل جوهري. أيضاً تشديد الرقابة عبر التكنولوجيا كما أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية سابقاً عزمها على إدخال نظام إلكتروني حديث لمراقبة مواقع إنتاج الذهب والمعادن عبر الأقمار الصناعية وهي خطوة يجب تسريعها وربطها بمنصة تتبّع رقمية تصدر شهادات منشأ رقمية لكل شحنة بما يعزز مصداقية السودان أمام المشترين الدوليين ويحرم شبكات التهريب من غطاء غياب البيانات. وأخيرًا لا بد من تنويع الأسواق شرقاً وجنوباً وبما أن العقوبات الأوروبية لا تطال أسواق الخليج وآسيا فإن الأولوية يجب أن تكون لعقود تصدير مباشرة وشفافة مع دول الخليج ما عدا الأمارات وكذلك مع والصين والهند على أن تكون عقود مشروطة بمعايير تتبع تحمي هذه الأسواق نفسها من اتهامات لاحقة بغسل الذهب حسب معايير الاتحاد الاوروبي المهترئة.
في العموم العقوبات الأوروبية رغم قسوتها الرمزية تكشف في جوهرها عن خلل بنيوي عمره عقد كامل من عمر دولتنا التي تنتج عشرات الأطنان من الذهب سنوياً لكنها لا تسيطر إلا على جزء يسير من عائداته. الفرصة الحقيقية لا تكمن في مواجهة القرار الأوروبي دبلوماسياً فحسب بل في استغلاله كصدمة إصلاحية تدفع الدولة أخيراً نحو بناء صناعة تكرير وتصنيع وطنية وسلسلة قيمة مضافة كاملة تحول الذهب من لغز مهرب إلى ثروة سيادية شفافة تخدم الخزينة العامة والمواطن لا شبكات اقتصاد الحرب والتهريب.




