*د التوم حاج الصافي يكتب دموع السياسة.. حين يصبح المدنيون وقودًا للحرب*

لم يعد المدني السوداني بحاجة إلى من يشرح له قسوة الحرب، فهو يعيشها كل يوم في بيته، وفي رغيفه، وفي دوائه، وفي رحلة البحث عن الماء والأمان. ومن الأبيض إلى الفاشر، ومن دارفور إلى كردفان، يبقى المواطن هو الضحية الأولى، بينما تتصارع الأطراف المختلفة على المكاسب العسكرية والسياسية.
ومع تصاعد التوتر حول مدينة الأبيض، تتزايد التحذيرات الدولية من كارثة إنسانية ومن احتمال تكرار المأساة التي شهدتها الفاشر، حيث دعت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية إلى حماية المدنيين ومنع انزلاق المدينة إلى مواجهة واسعة. �
The United Nations Office at Geneva +١
وفي خضم هذه الأجواء، يبرز سؤال مشروع: هل ستُستغل معاناة المدنيين مرة أخرى في معركة الدعاية السياسية؟ فالتجربة السودانية خلال سنوات الحرب أثبتت أن آلام المواطنين كثيرًا ما تتحول إلى مادة للاستثمار الإعلامي، وأن صور الضحايا تُستدعى أحيانًا لخدمة روايات سياسية أكثر من كونها تعبيرًا عن حرص حقيقي على حياة الناس.
إن المدنيين في الأبيض لا يحتاجون إلى خطابات البكاء، بل يحتاجون إلى من يمنع عنهم القذائف، ويؤمن لهم الغذاء والدواء، ويحفظ لهم حقهم في الحياة. فكل من يحاول توظيف مأساتهم لتحقيق مكاسب سياسية، أيًا كان موقعه أو انتماؤه، يشارك بصورة أو بأخرى في إطالة أمد هذه المأساة.
لقد آن الأوان لأن يتوقف الجميع عن احتكار الحديث باسم الضحايا، وأن يكون معيار المواقف هو حماية الإنسان السوداني لا استثمار دمه. فالأبيض ليست ساحة للدعاية، كما لم تكن الفاشر كذلك، وإنما مدينتان يسكنهما مئات الآلاف من الأبرياء الذين يدفعون ثمن حرب لم يختاروها.
فالحرب التي اسماها الاسلامويون حرب كرامة هي أكثر حروب السودان تذوق فيها الإنسان السوداني الذل والمهانة وهي حرب ندامة بامتياز
والكرامة عندهم هي عودة الامتيازات لممارسة السلب والنهب مرة أخرى

وفي النهاية، سيبقى التاريخ أكثر إنصافًا من ضجيج السياسة. فهو لن يتذكر من رفع الشعارات، وإنما سيتذكر من حمى المدنيين، ومن احترم دماءهم، ومن رفض تحويل مأساتهم إلى وسيلة لتحقيق مكاسب إعلامية أو سياسية. أما المواطن السوداني، فقد تعب من المتاجرة بقضيته، ولم يعد يريد سوى السلام والأمان والكرامة، وهي حقوق لا ينبغي أن تكون محل مساومة أو استثمار.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole