بعد ثلاث حلقات في تفكيك المقترح الأمريكي ومقارنته بخارطة الطريق السودانية يبقى السؤال العملي هو ماذا لو تجاوزت الأطراف هذا المقترح؟ وماذا لو اتُفق عليه؟ هذه خارطة لكلا السيناريوهين.
سيناريو التجاوز: إذا سقط المقترح الأمريكي
إذا تكرر مصير المقترحات السابقة كما حدث حين رفض الرئيس عبدالفتاح البرهان آخر مقترحات الرباعية في نوفمبر الماضي متمسكاً باتفاق جدة 2023 كإطار وحيد لأي هدنة فإن الحكومة السودانية بحاجة لثلاث خطوات استباقية بدل الاكتفاء بالرفض الدفاعي:
أولاً: تفعيل مسار إقليمي بديل بدل الانتظار الأمريكي. التقارب الأخير بين الرياض والقاهرة الذي عبّر عنه د. كامل إدريس بإشادته بالتعاون الثلاثي بقيادة ولي العهد السعودي والرئيس الأمريكي والرئيس المصري يمكن توظيفه كإطار موازي يمنح الخرطوم نفوذاً تفاوضياً لا يعتمد كلياً على واشنطن كوسيط حصري.
ثانياً: فصل ملف الانسحاب عن حزمة الهدنة الشاملة. بدل ترك الانسحاب المحدود بنداً غامضاً ضمن اتفاق واسع يجب السعي لاصدار قرار أممي منفصل وملزم زمنياً يعالج تحديداً وضع المدن التي دخلتها مليشيا الدعم السريع بعد 11 مايو 2023 بحيث لا يستخدم هذا الملف كورقة مساومة داخل حزمة أوسع يسهل تمييعها.
ثالثاً: تحصين الرواية الدبلوماسية أمام مجلس الأمن. فقد أظهرت التجربة الأخيرة خطورة ترك الرواية الأمريكية وحدها تصف الموقف السوداني بالرفض بينما الحقيقة أن هناك تعديلات تم تقديمها لا رفضاً كاملاً. يجب أن يواكب أي رفض مستقبلي بياناً تفصيلياً فورياً موثقاً يوضح أن الاعتراض ينصب على بند سيادي محدد (الانسحاب) لا على مبدأ السلام ذاته تفادياً لتكرار سيناريو الاتهام بالتعطيل.
سيناريو القبول إذا تم الاتفاق على المقترح الأمريكي
في حال تقدم المسار نحو توقيع فعلي فإن نجاح التنفيذ سيتوقف على ثلاثة ضمانات تنفيذية غير قابلة للتفريط:
أولاً: فصل توقيت الهدنة عن جدول الانسحاب الكامل. يجب ألا تبدأ الأشهر التسعة كساعة توقف عام دون أفق بل مقترنة بجدول زمني معلن وملزم لانسحاب كامل لا محدود من كل المدن التي دخلتها مليشيا الدعم السريع مع آلية تحقق واضحة تمنع تكرار سيناريو تجميد الوضع الراهن الذي تم رفضه سابقاً بسبب أن إخراج الدعم السريع من المدن لا يمكن أن يكون إجراءً شكلياً.
ثانياً: تثبيت السقف السيادي لأي دور أممي.
انطلاقاً من موقف د. كامل إدريس الرافض قطعياً لأي قوات أممية ميدانية يجب أن يصاغ أي بند خاص بالآلية الأممية بوضوح كدور مراقبة وتحقق لا انتشار وتدخل وءلك حرصاً على أن لا يتحول الحل الدولي إلى عبء سيادي جديد.
ثالثاً: استيراد آليات المساءلة التفصيلية من مبادرة الحكومة السودانية إلى نص التنفيذ الأمريكي.
بما أن النص الأمريكي يكتفي بصياغة عامة عن استبعاد مرتكبي الفظائع بينما مبادرة الحكومة السودانية تفصّل مبدأ لا سلام بدون مساءلة عبر تمييز واضح بين المقاتلين غير المدانين القابلين للإدماج ومن ارتكبوا جرائم حرب أو إبادة جماعية فإن أي اتفاق نهائي يجب أن يتبنى المعيار السوداني الأكثر دقة لا الصياغة الأمريكية الفضفاضة التي تفتح الباب لتأويلات متعددة لاحقاً.
في العموم سواء سقط المقترح الأمريكي أو نجح فإن الدرس الثابت من هذه الجولة التفاوضية أن السودان لا يملك ترف الاختيار بين سلام خارجي وسلام سوداني. الخيار الحقيقي الوحيد هو بين سلام يفرض بغموض متعمد يعيد إنتاج الحرب لاحقاً كما في المقترح الأمريكي وسلام يبنى بدقة تفصيلية تحصّن نتائجه من الانهيار كما في خارطة الطريق السودانية. والفارق بين الاثنين كما أظهرت هذه الحلقات الأربع ليس في النوايا المعلنة بل في تفاصيل التنفيذ التي غالباً ما تترك عمداً غامضة.




