*أنقذوا رئة الخرطوم المعتلة طاهر المعتصم*

لم يكن أكثر ما هزَّ مشاعر الزائر العائد إلى الخرطوم، حجم الدمار الذي طال المباني والشوارع، وإنما ذلك المشهد الصامت الذي يوشك أن يمر دون أن يلتفت إليه أحد. فمنذ خروجه من المطار وحتى تجواله في وسط الخرطوم والسوق العربي والمقرن، كانت آثار الحرب حاضرة في كلِّ زاوية، لكن المشهد الأكثر إيلامًا كان في غابة السنط، الرئة الطبيعية التي ظلت لعقود تمنح العاصمة شيئًا من الحياة.

هناك، بينما تتواصل محاولات إعادة زراعة بعض المساحات المتضررة على أيدي شباب متطوعين يعملون بإمكانات متواضعة ومجهود من موظف الغابات (زرياب)، تستمر في المقابل عمليات الاحتطاب الجائر بصورة يومية. أشجار نجت من أهوال الحرب، تواجه اليوم خطر الفؤوس والمناشير، حتى أصبحت الغابة مهددة بخسارة جزء كبير من غطائها النباتي.

وغابة السنط ليست متنزهًا عامًا فحسب، بل واحدة من أهم المنظومات البيئية في السودان. فهي تسهم في تنقية الهواء، وتلطيف درجات الحرارة، والحد من آثار الانبعاثات الحرارية، وحماية التنوع الحيوي، فضلًا عن دورها في المحافظة على النظام البيئي لضفاف النيل. إن فقدانها لن يكون خسارة للخرطوم وحدها، بل خسارة وطنية بكل المقاييس.

وإذا كانت الحرب قد فرضت أولويات أمنية واقتصادية ثقيلة، فإن حماية الغابة يجب أن تصبح جزءًا من مشروع التعافي الوطني. فالاحتطاب الجائر الذي يجري اليوم لن تعوضه حملات التشجير لسنوات طويلة، لأن الشجرة التي استغرقت عقودًا لتنمو لا يمكن استبدالها بين ليلة وضحاها.

ومن هنا، فإن المسؤولية تقع مباشرة على عاتق وزير الزراعة والغابات ووالي الخرطوم المكلف، لوضع خطة عاجلة لحماية غابة السنط، بالتنسيق مع القوات المسلحة والشرطة، بما يضمن وقف الاعتداءات وتأمين الغابة في ظل التحديات الأمنية التي تشهدها العاصمة. كما ينبغي إطلاق حملة وطنية لإعادة التأهيل والتشجير، يشارك فيها المجتمع المدني والجامعات والقطاع الخاص، حتى تستعيد الغابة عافيتها.

لقد دفعت الخرطوم ثمن الحرب من عمرانها واقتصادها وإنسانها، وليس من الحكمة أن تدفع اليوم ثمن الإهمال البيئي أيضًا. ولا يجب أن ننتظر أن تضع الحرب أوزارها، فالعاصمة التي تبحث عن الحياة لا يمكن أن تسمح باختناق رئتها الوحيدة. وإنقاذ غابة السنط ليس ترفًا بيئيًا، بل قرارًا وطنيًا لحماية مستقبل الخرطوم، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.
#السودان #صوت_الأمة #نكمل_المشهد
#حرب_السودان #انقذوا_السودان

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole