كثيراً ما تتحول الوثائق السياسية إلى فواصل تاريخية بين مرحلتين؛ فهي لا تقتصر على تنظيم نهاية الحرب، بل تمتد آثارها إلى إعادة تشكيل الدولة، وإعادة توزيع النفوذ، ورسم ملامح المرحلة التي تليها. ومن هذا المنظور، يكتسب المقترح الأمريكي الأخير بشأن السودان أهمية تتجاوز كونه مشروع هدنة أو وقفاً لإطلاق النار؛ إذ يمثل محاولة متكاملة لرسم معالم مرحلة ما بعد الحرب، عسكرياً وسياسياً وإنسانياً ومؤسسياً.
غير أن توقيت المبادرة لا يقل أهمية عن مضمونها. فالولايات المتحدة لا تتحرك عادة في ملفات بهذا التعقيد بمعزل عن حسابات البيئة الإستراتيجية المحيطة. فالسودان اليوم يقع في قلب معادلة إقليمية تتقاطع فيها أمن البحر الأحمر، وسلامة طرق التجارة العالمية، والتنافس على المعادن الإستراتيجية، والهجرة غير النظامية، ومكافحة الإرهاب، والنفوذ المتصاعد لقوى دولية وإقليمية متعددة. ولذلك فإن المبادرة يمكن قراءتها أيضاً بوصفها محاولة أمريكية لإعادة الإمساك بملف السودان قبل أن يتحول إلى ساحة نفوذ مفتوحة لقوى أخرى، وإعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية في السودان بما يعزز الاستقرار، ويحول دون تحوله إلى مصدر تهديد للمصالح الأمريكية والدولية في واحدة من أكثر المناطق حساسية على خريطة التنافس الدولي. وهذه القراءة لا تنتقص من أهمية المبادرة، لكنها تذكر بحقيقة راسخة في العلاقات الدولية، وهي أن الدول الكبرى تتحرك وفق منطق المصالح قبل أي اعتبارات أخرى.
ويحسب للمقترح أنه لم يكتف بالدعوة إلى وقف إطلاق النار، بل حاول معالجة عدد من الملفات التي ظلت تمثل جوهر الأزمة، وفي مقدمتها حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ووقف التدخلات الخارجية، وإنهاء تدفق السلاح، وتهيئة الطريق نحو تسوية سياسية شاملة. كما أن النص الصريح على انسحاب المليشيا من المدن التي سيطرت عليها منذ اندلاع الحرب يمثل تحولاً مهماً في الخطاب الدولي، لأنه ينطلق من الاعتراف بأن هناك مدناً ومؤسسات احتُلت بقوة السلاح، وأن إنهاء هذا الواقع شرط لازم لاستعادة الاستقرار، وليس مجرد تفصيل تفاوضي يمكن تأجيله.
وتزداد أهمية هذه النقطة إذا قورنت بعدد من المبادرات السابقة التي بدت حريصة على مساواة طرفي الصراع في الالتزامات، دون التمييز بين الدولة وبين القوة التي حملت السلاح ضدها. أما هنا، فإن اشتراط الانسحاب من المدن يعيد الاعتبار – من حيث المبدأ – لفكرة الدولة وسيادتها على أراضيها، وهو تطور سياسي لا ينبغي التقليل من أهميته.
غير أن استعادة المدن لا تعني بالضرورة استعادة الدولة؛ فالحروب قد تنتهي بخروج الجيوش، أما السلام فلا يكتمل إلا بعودة السيادة كاملة إلى مؤسساتها.
وفي المقابل، لا تخلو الوثيقة من جوانب تستوجب قدراً كبيراً من الانتباه. فالتوسع في إنشاء لجان وآليات دولية للإشراف والمتابعة والمراقبة، رغم ما قد يوفره من ضمانات لتنفيذ الاتفاق، يثير تساؤلات مشروعة حول حدود الدور الدولي. فالتجارب المقارنة تُظهر أن كثيراً من بعثات الدعم الفني بدأت بولايات محدودة، ثم انتهت إلى أدوار تنفيذية وسياسية أوسع، وهو ما يجعل تحديد الصلاحيات وضمان خضوعها الكامل لموافقة الدولة السودانية أمراً لا يحتمل الغموض أو الاجتهاد.
كما أن الحديث عن عملية سياسية تحت إشراف الأمم المتحدة يحتاج إلى ضبط دقيق للمفاهيم؛ فالدعم الدولي يظل مطلوباً، لكن ملكية العملية السياسية يجب أن تبقى سودانية خالصة، حتى لا تتحول المساعدة إلى وصاية، أو تتحول المؤسسات الوطنية إلى مجرد منفذ لقرارات تُصنع خارج حدود البلاد.
ومن جانبها، تعاملت الحكومة السودانية مع المقترح بقدر واضح من البراغماتية السياسية. فقد وافقت على معظم بنوده، بما يعكس استعدادها للتعاطي الإيجابي مع أي مبادرة تفضي إلى إنهاء الحرب، وفي الوقت نفسه حافظت على أحد أهم ثوابتها عندما اعترضت على قصر أولوية الانسحاب على شمال دارفور وشمال كردفان، مؤكدة أن المبدأ يجب أن يشمل جميع المدن والمناطق التي احتلتها المليشيا.
ويبدو هذا الاعتراض أكثر اتساقاً مع منطق الدولة؛ لأن تجزئة الانسحاب جغرافياً قد تؤدي، ولو من غير قصد، إلى تكريس مناطق نفوذ متفاوتة، أو منح بعض مناطق السيطرة وضعاً تفاوضياً خاصاً، بما يفتح الباب أمام واقع سياسي جديد لا يتسق مع وحدة السودان وسلامة أراضيه. كما أن الإصرار على شمول الانسحاب لجميع المناطق يبعث برسالة واضحة مفادها أن الحكومة تنظر إلى الأزمة باعتبارها قضية سيادة وطنية، لا مجرد ترتيبات أمنية مرتبطة بإقليم دون آخر.
غير أن الرد الحكومي، رغم وجاهته، لا يزال بحاجة إلى مزيد من التفصيل في عدد من الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها آليات التحقق من الانسحاب، ومنع إعادة الانتشار، ومراقبة وقف الإمدادات العسكرية الخارجية، وضمان ألا تتحول ترتيبات الدمج والتسريح إلى عملية سياسية مقنعة تعيد إنتاج القوة المسلحة تحت مسميات جديدة، أو تمنحها شرعية جديدة داخل مؤسسات الدولة دون معالجة جذور المشكلة.
ومن زاوية أخرى، فإن أكثر الأطراف التي ستجد نفسها أمام تحدٍ حقيقي إذا مضت هذه المبادرة إلى الأمام هي مليشيا الدعم السريع وحكومة “تأسيس” المرتبطة بها. فالمقترح، رغم أنه لم يستخدم توصيفات قانونية حاسمة بحق المليشيا، إلا أنه يطالبها عملياً بالتخلي عن أهم مصادر قوتها، وهي السيطرة الميدانية على المدن، ثم القبول بمسار يقود في نهايته إلى ترتيبات أمنية تتضمن الانسحاب ونزع السلاح والتسريح والدمج داخل مؤسسات الدولة. وبذلك فإن المشروع العسكري الذي حاول فرض واقع سياسي بقوة السلاح يصبح مهدداً بفقدان مرتكزاته الأساسية إذا نُفذت هذه البنود كما وردت.
أما حكومة “تأسيس”، فإن مستقبلها السياسي يبدو أكثر هشاشة في ظل هذه المبادرة، لأنها تستند في وجودها إلى واقع عسكري موازٍ لسلطة الدولة، بينما يقود المقترح إلى استعادة الحكومة الشرعية سيطرتها على المدن، وإطلاق عملية سياسية واحدة تشمل السودان بأكمله، بما يضيق المساحة أمام أي سلطة موازية أو إدارة قائمة على الأمر الواقع.
وهنا تكمن المفارقة؛ فكلما اقتربت المبادرة من النجاح، تقلصت المساحة السياسية والعسكرية التي قامت عليها فكرة «تأسيس». فالتحدي الحقيقي في الحروب الأهلية لا يكمن في كيفية إنهائها، بل في منع تحول نتائجها العسكرية إلى مكاسب سياسية دائمة.
ومن ثم، فإن من المرجح أن تحاول المليشيا التعامل مع المبادرة بقدر كبير من المناورة؛ فقد تقبلها من حيث المبدأ لتفادي الضغوط الدولية، لكنها قد تسعى عملياً إلى إبطاء تنفيذ الانسحابات، أو ربطها بضمانات سياسية واسعة، أو إعادة تفسير بعض البنود بما يسمح بالحفاظ على جزء من نفوذها الميداني. كما قد تعمل على نقل مركز ثقلها من الميدان العسكري إلى طاولة التفاوض، أملاً في تعويض ما قد تخسره عسكرياً بمكاسب سياسية داخل ترتيبات المرحلة الانتقالية. ولهذا فإن نجاح أي اتفاق لن يقاس بتوقيعه، وإنما بقدرة آليات الرقابة والتحقق على منع إعادة التموضع، وإغلاق منافذ التسليح، وتجفيف مصادر التمويل، ومنع استخدام الزمن كوسيلة لإعادة إنتاج الصراع.
ويبقى التحدي الأكبر هو ألا يتحول السلام نفسه إلى مدخل لإنتاج أزمة جديدة. فالسلام الحقيقي يولد عندما تستعيد الدولة احتكار القوة، وتفرض سيادة القانون، وتنفرد بحق تقرير مستقبلها، وتقضي على جميع مظاهر الجيوش الموازية، وتجفف مصادر الدعم الخارجي، وتبني عملية سياسية تعبر عن الإرادة الوطنية، لا عن موازين القوى التي فرضتها الحرب.
ولهذا فإن معركة السودان القادمة قد لا تكون معركة السلاح، بقدر ما ستكون معركة تنفيذ الاتفاق ومنع الالتفاف عليه.
إن المبادرة الأمريكية تمثل فرصة تستحق الدراسة الجادة، كما أن موافقة الحكومة السودانية عليها تمثل بداية لمسار تفاوضي أكثر تعقيداً، لا نهاية للخلاف حولها. وسيظل نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرته على استعادة سيادة الدولة على كامل أراضيها، وتجفيف مصادر التهديد، وإنهاء الوجود المسلح خارج مؤسساتها، وبناء عملية سياسية تعبر عن الإرادة الوطنية الحرة. فالتاريخ لا يتذكر الاتفاقات التي أوقفت إطلاق النار فحسب، بل يحتفظ بالاتفاقات التي نجحت في إغلاق أبواب الحرب نهائياً، وأعادت للدول وحدتها واستقرارها وقدرتها على صناعة مستقبلها بنفسها.
السبت 11 يوليو 2026م




