*بين بناء الدولة وصناعة الاحتكار.. 3-3 حين تصدر الدولة نفسها بيانين متناقضين خلال 72 ساعة!.. وائل عبدالخالق مالك*

تناول المقالان السابقان في هذه السلسلة الجوانب التنظيمية والتقنية لملف رخصة محوّل المعاملات المصرفية. هذا المقال يعتمد مقاربة مختلفة تتمثل في قراءة الوقائع بترتيبها الزمني الدقيق دون أحكام مسبقة تاركاً للقارئ استخلاص ما تستحقه من دلالات. وقبل الدخول في التفاصيل لا بد من تحديد موضوع هذا المقال بدقة حيث أن شركة العسجد للحلول الرقمية الذكية موضوع الترخيص لا تمثل هنا محور الاهتمام ولا طرفاً أصيلاً في القضية التي يعنيني تناولها. فهي كأي كيان اقتصادي آخر من حقها أن تستثمر وتعمل في أي مجال تراه طالما امتثلت لمعايير التشغيل وضوابط القطاع المعلنة. ما يهمني هنا ليس مصير شركة بعينها بل ما كشفه هذا الملف عن طبيعة الدولة ومؤسساتها. فالحديث عن شركة واحدة يبسط قضية أعمق بكثير من حجم أي كيان تجاري ويغرق النقاش في تفاصيل هامشية بدل مواجهة السؤال الجوهري وهو كيف تدار البنية التحتية السيادية للبلاد؟

الوقائع كما وردت بترتيبها المقتبس من مقال الأستاذ الطاهر ساتي هي أن شركة العسجد تقدمت في أبريل 2025 بطلب الترخيص من الجهة المعنية وفي
يوليو 2025 صدرت موافقة مبدئية بعد فحص أمني وإداري ومالي ثم في أبريل 2026 صدر الترخيص النهائي بعد استيفاء كامل الاشتراطات وتم في 1 يوليو 2026 حفل تدشين رسمي برعاية عضو مجلس سيادة وحضور قيادات عسكرية ومصرفية. في مساء اليوم ذاته تم استدعاء المديرة التنفيذية من جهة غير الجهة التي رعت الحفل وفي 4 يوليو 2026 أصدر بنك السودان المركزي بيان رسمي بإلغاء التصديق عقب حملة إعلامية واسعة. هذا الجدول وحده بمعزل عن أي تفسير يطرح سؤالاً إجرائياً بسيطاً هو كم عدد الجهات التي شاركت في صناعة هذا القرار خلال أسبوع واحد؟ وهل تصرفت كلها بتنسيق كامل أم أن كل جهة تحركت وفق منطقها الخاص؟.

ما تكشفه هذه الوقائع بصرف النظر عن أي طرف بعينه هو أمر أخطر من مصير رخصة واحدة. الخطورة في غياب معايير وسياسات حقيقية وثابتة لدى بنك السودان المركزي ومؤسسات الدولة فيما يتعلق بهذه البنية التحتية الرقمية. فترخيص يمر بعام كامل من الفحص الأمني والمالي والإداري، ثم يلغى خلال 72 ساعة من حفل تدشينه دون توضيح للسبب الفعلي لا يعكس صرامة رقابية مفاجئة بل يعكس غياب إطار واضح ومستقر كان يجب أن يطبق منذ اللحظة الأولى لا أن يستدعى بأثر رجعي تحت ضغط الرأي العام. لو كانت هناك سياسة معلنة وثابتة لما احتاج القرار إلى كل هذا الاهتزاز العلني أمام الجمهور.

هناك تفصيلة إجرائية تستحق تسليط ضوء خاص عليها وهي حضور قيادات سيادية رفيعة بينهم ممثل عضو مجلس السيادة نفسه في المؤتمر الصحفي الخاص بالشركة يوم التدشين. فحين يبلغ التمثيل الرسمي لدولة هذا المستوى في مناسبة خاصة بكيان تجاري واحد من بين عشر كيانات مشابهة ثم يلغى الترخيص بعد أيام قليلة إثر حملة إعلامية فإن القراءة الأقرب للمنطق ليست وجود خلل فني اكتشف فجأة بل وجود صراع مراكز قوى داخل الدولة تتضارب مصالحها بحيث تكون جهة سيادية قد باركت الترخيص علناً بينما جهة أخرى بموازين قوة مختلفة عملت على إسقاطه لاحقاً. هذا التناقض بين مستوى الرعاية الرسمية للحدث ومستوى السرعة في التراجع عنه هو المؤشر الأهم في كامل هذا الملف.

وفق ما هو متاح في السجلات العلنية لبنك السودان المركزي فإن عدد الشركات الخاصة الحاصلة على تراخيص مشابهة يتجاوز تسع شركات أخرى غير الجهة موضوع هذا الملف. لم يصدر بشأن أي منها بيان إلغاء مماثل حتى تاريخ كتابة هذه السطور ولم يحظ أي منها بنفس مستوى الرعاية السيادية العلنية في حفل تدشينها. هذا التفاوت في المعاملة بين حالات متشابهة إجرائياً هو بالضبط ما يفترض أن تحسمه سياسة معلنة وموحدة لا أن يترك خاضعاً لموازين قوى متغيرة من حالة لأخرى.

خروج الدولة التدريجي من حرب الاستهداف المدمرة يحتاج الي اعادة اعمار واستثمارات ضخمة في البنى التحتية والقطاعات الزراعية والصناعات التحويلية حتى ينهض الاقتصاد ويشتد عود الدولة من جديد. أي مستثمر أو شريك تقني يراقب هذا التسلسل من الخارج سيخرج بخلاصة عملية واحدة هي إن الحصول على موافقات رسمية معلنة وحتى رعاية سيادية علنية ليس بالضرورة نهاية المسار في دولة تدار فيها هذه الملفات بمنطق موازين القوى الداخلية بدل السياسات الثابتة. وهذه الخلاصة هي الثمن الحقيقي الذي تدفعه الدولة لا الشركة موضوع الجدل.

النص الرسمي الوحيد المتاح للجمهور حتى الآن هو بيان الإلغاء بصياغته المحايدة التي لا تدين أحداً ولا تبرئ أحداً بالتحديد. لا يوجد نص مقابل يوضح من طلب الاستدعاء وبأي صفة ولا من قرر الرعاية السيادية للحفل أصلاً قبل أي مراجعة كافية. إلى أن يصدر مثل هذا التوضيح سيبقى السؤال الحقيقي معلقاً وهو ليس عن شركة العسجد بل عن دولة تحتاج أن تعرف ونحتاج نحن أن نعرف: من يملك القرار فعلاً فيها وبأي معايير؟.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole