*تنسيق سوداني سعودي في كسر معادلة النفوذ وقطع شرايين الجشع..د. فرج وافي الخنفري*

في الوقت الذي تتصاعد فيه المساعدات الإغاثية والتحركات الاقتصادية الخارجية في جنوب السودان تحت شعارات إنسانية، تكشف القراءة الاستراتيجية لواقع الصراع عن وجه آخر يتغذى على الثروات والموارد؛ مما يجعل من تفعيل “مجلس التنسيق السوداني السعودي” ضرورة حتمية لقطع شرايين التمويل المشبوه وإيقاف نزيف الحرب.
فشهدت الفترة الممتدة من يونيو إلى أغسطس 2026 تحركات إماراتية مكثفة في جنوب السودان، تمثلت في تشغيل مستشفيات ميدانية، وتوجيه مساعدات إغاثية عبر منظمات دولية للنازحين، بالتوازي مع لقاءات ومباحثات لتعزيز الشراكات الاقتصادية مع جوبا.
تُقدَّم هذه التحركات في ظاهرها كاستجابة إنسانية مجردة، بيد أن التحليل العميق يضعها في سياق أكثر تعقيداً؛ إذ يظل تدفق الدعم والتمويل الخارجي لأطراف النزاع المحرك الأساسي لاستطالة أمد الحرب، وما ينتج عنها من تجريف لمؤسسات الدولة واتساع لرقعة الموت والجوع.
إن الارتباط الوثيق بين المصالح الاقتصادية وتدفقات الذهب والموارد يجعل هذا الدور محل استفهام مشروع؛ حيث تُستغل الواجهة الإنسانية لتغطية مسارات التمويل التي تغذي الصراع وتشرعن السيطرة على الثروات. هذا التناقض بين الإغاثة المعلنة والاستثمار في الفوضى يعكس نمطاً قائماً على اقتناص المكتسبات من قلب الأزمات.
فالحرب لا تطول لتعقدها الداخلي فحسب، بل لأن أطرافاً خارجية ترى في استمرارها فرصة لتثبيت النفوذ وتعظيم العوائد. والمساعدات الإنسانية في هذا السياق لا تعالج إلا الأعراض، بينما يظل الجشع المالي يغذي الأزمة من جذورها.
إن وضع حد لهذه المأساة يتطلب الانتقال من معالجة النتائج إلى حسم الأسباب، عبر تجفيف فوري لكل شبكات التمويل والدعم التي تمد أطراف النزاع بالقدرة على الاستمرار.
وفي هذا الإطار، يبرز مجلس التنسيق السوداني السعودي كمنصة استراتيجية قادرة على إحداث فارق نوعي وتقديم دعم حقيقي للسلام؛ شريطة تزويده بالإرادة السياسية والآليات التنفيذية الكفيلة بقطع قنوات التمويل الخارجي، وكبح شبكات الجشع التي تستنزف ثروات السودان. فبدون الحسم العاجل، تبقى المبادرات مجرد كلام في حرب مفتوحة تُبدد حياة الملايين.
تأكيد هذا المسار ليس اندفاعاً عاطفياً، بل استنتاج يحكمه واقع الصراع نفسه: حيثما التقت المصالح المشبوهة بتدفقات التمويل، امتد أمد الموت.

مقالات ذات صلة