*لماذا لا يملك السودان ترف تأجيل إعادة فتح جامعاته؟ د. محمد خليفة صديق*

 

في أدبيات النزاعات المعاصرة، لا يُقاس انهيار الدول بسقوط المقرات السيادية أو تفكك خطوط الدفاع العسكري فحسب، بل باللحظة التي تعجز فيها مؤسساتها المعرفية عن إعادة إنتاج نفسها. لعقود طويلة، شكّل قطاع التعليم العالي في السودان ركيزة أساسية للهوية الوطنية وقناة الحراك الاجتماعي الأبرز. واليوم، وبعد أعوام من حرب مدمرة استهدفت الحواضر الجامعية وبعثرت نخبتها الأكاديمية وملايين الطلاب، يجد صانع القرار في الخرطوم نفسه أمام معضلة إستراتيجية تتجاوز البيروقراطية التعليمية: كيف تُستعاد الحياة الأكاديمية دون الوقوع في فخ المخاطرة غير المحسوبة أو الاستسلام لـ “مؤقت دائم” يبتلع مستقبل الأجيال؟
أشعل قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بإلزام الجامعات بالعودة التدريجية إلى مقارها الأصلية، مصحوباً بالقرار رقم (138) لسنة 2026م المنظّم للتعليم الإلكتروني والمدمج، نقاشاً عاصفاً في الأوساط العامة. انطلق المتشككون من بديهيات الدمار المادي والنزوح البشري، معتبرين الخطوة مجازفة سياسية سابقة لأوانها. لكن قراءة هذا التحرك من منظور علم الاجتماع السياسي وإدارة التعافي والانعاش المبكر في ما بعد الحرب يكشف عن رؤية مغايرة تماماً، تقوم اساسا على العودة ليست احتفالاً بانتهاء الأزمة، بل هي الأداة التنفيذية لتفكيكها.
فخ “الوضع المؤقت”: مخاطر الخصخصة القسرية للتعليم

حين تندلع الحروب، تلجأ المنظومات التعليمية عادةً إلى حلول إسعافية: فروع بديلة في أقاليم آمنة، أو مراكز مؤقتة في الخارج ودول الجوار. في الحالة السودانية، كان هذا التدبير ضرورياً في شهور الحرب الأولى لامتصاص الصدمة. غير أن استدامة هذا الاستثناء تحولت تدريجياً إلى خطر هيكلي يهدد المنظومة بأكملها.
لقد نشأ خلال عامين اقتصاد ظل تعليمي باهظ التكلفة، تحولت فيه بعض المراكز البديلة إلى كيانات شبه تجارية تعمل خارج أطر الحوكمة والاعتماد الأكاديمي، وتفرض على العائلات النازحة أعباء معيشية وإيجارية خيالية في مدن النزوح وعواصم اللجوء. الأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات الخاصة باتت تجبي الرسوم من طلاب جدد دون امتلاك الحد الأدنى من المعامل أو التراخيص الرسمية، ما وضع سمعة الشهادة السودانية والاعتراف الدولي بها على المحك.
يجب النظر لقرار إلزام الجامعات بإنهاء الترتيبات المؤقتة كشرط لقبول دفعات جديدة لعام 2026–2027م على انه تدبير حكومي لحماية اصحاب المصلحة والسيادة التعليمية معاً. وهو إشعار حاسم بأن الدولة لن تسمح بـ “تسليع الفوضى”، وأن استيعاب أجيال جديدة لا يمكن أن يتم عبر بيئات غير مؤهلة تفتقر للشرعية الرقابية ولا تمتلك الحد المناسب من مقومات الدراسة والاعتماد.
البنية التحتية الهجينة: هندسة الفضاء الرقمي كحزام أمان

تدرك الدولة أن استدعاء مئات الآلاف من الطلاب دفعة واحدة إلى قاعات ومدرجات طالها الخراب هو ضرب من الانتحار اذا تم دون الترتيب اللازم. هنا يبرز البعد الإستراتيجي لقرار إجازة “لائحة التعليم الإلكتروني والتعليم المدمج لسنة 2026م”، الصادر في 10 سبتمبر 2026م بالاستناد إلى قانون تنظيم التعليم العالي.
هذا الإطار التشريعي لا يتعامل مع التعليم الرقمي كـ “حل ترقيعي” لمحاضرات تُبث عبر منصات التواصل، بل يعيد هندسة العملية التعليمية وفق نموذج هجين متوازن، يقوم على :
* ترشيد الضغط المكاني: تُرحّل المواد النظرية والأنشطة العامة إلى الفضاء السحابي، في حين تُقصر المقار الفيزيائية على التطبيقات الإكلينيكية، والمختبرات، والتقييم النهائي، مما يخفف العبء اللوجستي على العاصمة والمدن المتأثرة بنسبة تتجاوز 60%.
* استرداد الشتات الأكاديمي (Reversing the Brain Drain): تسببت الحرب في هجرة قسرية لآلاف الأساتذة والباحثين نحو الخليج ومصر وإفريقيا والغرب. يمنح هذا الإطار الجامعات السودانية سنداً قانونياً لاستبقاء كوادرها المهاجرة داخل المنظومة الوطنية؛ فالأستاذ في القاهرة أو الدوحة أو لندن يستطيع مواصلة التدريس والإشراف والتقييم، محولاً الاغتراب من استنزاف بشري إلى شبكة شراكات عابرة للحدود.
* الجودة والاعتراف: نقل التعليم عن بُعد من العفوية إلى الحوكمة المعيارية التي تضبط المحتوى، ومخرجات التعلم، مما يجعل الدعم التقني هو الضمانة الوحيدة لعدم إسقاط الجامعات السودانية من تصنيفات الاعتماد العالمية.
* تخفيف الضغط الاقتصادي على الأسر بتقليل تكاليف الانتقال الى الجامعة يوميا .
الذاكرة الرقمية واستعادة أدوات الدولة

السؤال الأكثر إلحاحاً الذي طُرح في الأروقة الأكاديمية: ما الذي تملكه الدولة لفرضه على الأرض؟
تُظهر المؤشرات أن الأجهزة الفنية للدولة أدارت معركة صامتة لحماية أصولها المعرفية. كان الإنجاز الأبرز هو استعادة قواعد البيانات الأكاديمية التاريخية بنسبة 100%، وتزويد أكثر من 60 جامعة بسجلاتها المفقودة بعد تدمير خوادمها الأصلية في الخرطوم، وهو ما منع محواً كاملاً لتاريخ أجيال من الخريجين.
ترافق ذلك مع نشر بنية تحتية سحابية بديلة، وتدخل صندوق الخدمة الشاملة لتجهيز مراكز امتحانات إلكترونية ولائية، وتأمين شرائح اتصال وإنترنت مدعوم لمنسوبي الجامعات. كما تحركت الرئاسة السودانية بإصدار توجيهات مباشرة لإعادة تأهيل المجمعات التاريخية وفي مقدمتها جامعة الخرطوم، والتعامل مع ملفات الطاقة الشمسية وتخفيض الرسوم الجمركية لمعينات البحث العلمي، إلى جانب مضاعفة رواتب العاملين لدعم الصمود الاجتماعي للنخبة الأكاديمية.
الجامعات كقاطرة للتعافي.. لا مجرد متفرج

يكمن الخلاف الجوهري بين الوزارة ومنتقديها في فلسفة “التعافي وإعادة الإعمار”. يتبنى الخطاب التقليدي رؤية خطية مشروطة: “أمّنوا الخدمات بالكامل ووفروا مقومات الرفاهية أولاً، ثم افتحوا الجامعات”. غير أن تجارب إعادة الإعمار العالمية — من أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية إلى رواندا والبلقان — تثبت عكس ذلك تماماً: المؤسسات المعرفية ليست نتيجة لتطبيع الحياة، بل هي المحرك الأساسي له.
فتح أبواب جامعة كبرى في العاصمة ليس مجرد حدث تدريسي؛ إنه قرار يُعيد تنشيط شبكات النقل الداخلي، ويحرك أسواق التموين المختلفة والإيجارات والقطاعات الخدمية ، ويوفر وظائف في مختلف القطاعات، ويبعث رسالة أمنية ومجتمعية قاطعة للمواطنين بأن مدينتهم استعادت وظيفتها التاريخية. الانتظار حتى تكتمل كل الشروط يعني انتظاراً للمجهول، وتكريساً لحالة الفراغ التي تغذي تآكل الدولة ومؤسساتها.
استعادة العقد الاجتماعي
لا تواجه الجامعات السودانية اليوم أزمة موازنات أو جدران متصدعة؛ إنها تخوض اختباراً فاصلاً حول قدرة الدولة على البقاء ككيان موحد قادر على رعاية مواطنيه، فالجمع الصارم بين إلزام المؤسسات بتحمل مسؤولياتها الميدانية في مقارها، والمرونة التشريعية التي تتيحها لائحة التعليم المدمج، يشكلان معاً خارطة الطريق الواقعية والوحيدة المتاحة. التحديات هائلة، والظروف قاسية بلا شك، لكن استعادة السيادة الأكاديمية على الأرض لا تحتمل التأجيل؛ فالأوطان لا تنهض حين تصبح الظروف مثالية، بل تُبنى بإرادة العودة من قلب الركام.

مقالات ذات صلة