*التراجع عن إغلاق مراكز الجامعات السودانية بالخارج.. اختبار لهيبة المؤسسات ومصداقية التعليم العالي. د. محمد عبد الكريم عبد الله*

 

أثار قرار رئيس الوزراء كامل إدريس بالسماح للجامعات السودانية بفتح مراكز لها خارج البلاد تساؤلات بشأن مستقبل تنظيم التعليم العالي، وحدود الاختصاصات المؤسسية، ومدى اتساق القرارات الحكومية مع المعايير الأكاديمية والقانونية، خاصة بعد التوجه السابق نحو إغلاق المراكز الخارجية التي لم تستوفِ متطلبات الترخيص والاعتماد.
ولا تتعلق القضية بمجرد الانتقال من قرار الإغلاق إلى السماح، وإنما بما يترتب على ذلك من آثار في هيبة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ومصداقية السياسات الحكومية، وسمعة الشهادات الجامعية السودانية، وحقوق الطلاب الذين يدرسون في الخارج.
التراجع عن القرار وأثره في هيبة الوزارة
إن من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الحكومية استقرار القرارات التنظيمية ووضوح الأسس التي تستند إليها. فحين تصدر وزارة التعليم العالي قراراً بإغلاق مراكز جامعية خارج السودان، بناءً على اعتبارات قانونية أو أكاديمية، ثم يأتي قرار بالسماح بإعادة فتحها، يصبح من الضروري توضيح المبررات التي استدعت هذا التغيير، وما إذا كانت الأسباب التي أدت إلى الإغلاق قد عولجت بالفعل.
لا يعني ذلك أن القرارات الحكومية يجب أن تظل ثابتة مهما تغيرت الظروف، فالمراجعة حق أصيل للإدارة، وقد تكون ضرورية في ظل الأوضاع الاستثنائية التي يمر بها السودان. لكن المراجعة المؤسسية تختلف عن التراجع غير المصحوب بتفسير واضح؛ إذ ينبغي أن تقوم على معايير معلنة، وتنسيق بين الجهات المختصة، وضمانات تحول دون تضارب السياسات أو إضعاف الثقة في القرارات الرسمية.
وتكمن أهمية المسألة في أن وزارة التعليم العالي ليست مجرد جهة إدارية تنفذ توجيهات عامة، بل هي مؤسسة فنية وتنظيمية تضطلع بمسؤولية حماية جودة التعليم الجامعي، وضبط أداء الجامعات، ومتابعة التزامها بالمعايير المعتمدة. ومن ثم، فإن الحفاظ على مكانتها يتطلب احترام اختصاصاتها، وإشراكها في القرارات التي تمس صميم مسؤولياتها.
المراكز الخارجية ومعضلة الاعتراف الأكاديمي
يخضع إنشاء المراكز والفروع الجامعية خارج السودان للأنظمة والقوانين المعمول بها في الدول المضيفة، ولا يكفي حصول الجامعة على ترخيص داخل السودان لمنحها حق ممارسة النشاط التعليمي في دولة أخرى دون استيفاء المتطلبات المحلية.
وتبرز هذه الإشكالية بصورة خاصة في مصر والمملكة العربية السعودية، حيث تقتضي مشروعية عمل المراكز التعليمية التحقق من التراخيص والموافقات اللازمة، وفق القواعد المعمول بها لدى الجهات المختصة في كل دولة.
كما ينبغي التمييز بين الاعتراف بالجامعة الأم، والترخيص للمركز الخارجي، واعتماد البرنامج الدراسي، والاعتراف بالشهادة الصادرة عنه. فهذه مسائل متمايزة، ولا يجوز افتراض أن استيفاء أحدها يغني عن بقية المتطلبات.
وقد أُثيرت في هذا الملف مخاوف تتعلق بعمل بعض المراكز دون استكمال الموافقات الرسمية، وبمدى الاعتراف بمؤهلات خريجيها. وهي مسائل تستوجب الرجوع إلى القرارات والوثائق الرسمية والتحقق من نطاقها، بدلاً من الاكتفاء بالتقديرات أو التصريحات غير المدعومة بمستندات.
وفي جميع الأحوال، فإن حماية الطلاب يجب أن تكون أولوية قصوى؛ إذ لا يجوز أن يلتحق الطالب ببرنامج جامعي ويدفع رسومه لسنوات، ثم يكتشف أن مركز الدراسة لا يستوفي المتطلبات القانونية أو أن شهادته تواجه عقبات في الاعتراف والمعادلة.
لا يمكن تجاهل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب على الجامعات السودانية وطلابها، ولا حاجة السودانيين في الخارج إلى مواصلة تعليمهم الجامعي في ظل تعطل المؤسسات التعليمية وصعوبة العودة إلى البلاد.
لكن معالجة هذه الظروف لا ينبغي أن تتم بتجاوز القوانين أو تعليق معايير الجودة، وإنما من خلال حلول انتقالية منضبطة تحقق التوازن بين استمرارية التعليم، وحقوق الطلاب، ومتطلبات الدول المضيفة.
وكان من الممكن اعتماد مسار مؤسسي يبدأ بحصر المراكز الخارجية وتقييم أوضاعها القانونية والأكاديمية، ثم التنسيق مع وزارات التعليم والجهات المختصة في الدول المعنية، وصولاً إلى منح المراكز المستوفية للشروط تصاريح مؤقتة ومحددة المدة، وفق ضوابط واضحة وجداول زمنية لتوفيق الأوضاع.
لكن هذا السماح المؤقت، الذي اقتضته الضرورة، يجب ألا يتحول إلى استثناء دائم أو وسيلة للالتفاف على متطلبات الاعتماد. فالتيسير المطلوب هو الذي يحمي الطالب ويضمن استمرار التعليم دون الإضرار بمصداقية المؤسسات الأكاديمية السودانية.
اخيرا .. يثير القرار كذلك تساؤلات بشأن التنسيق بين رئاسة الوزراء ووزارة التعليم العالي. فرئيس الوزراء يملك صلاحيات في إدارة العمل الحكومي وتوجيه السياسات العامة وفق القانون، لكن ذلك لا يلغي أهمية الاستناد إلى التقييم الفني للوزارة المختصة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا الاعتماد والجودة والاعتراف بالشهادات.
ولا يمكن الجزم بغياب التنسيق أو تجاوز الاختصاصات دون الاطلاع على الإجراءات التي سبقت القرار. غير أن الإدارة الرشيدة تقتضي إعلان المبررات التي استند إليها التعديل، وتوضيح دور الوزارة في صياغته وتنفيذه، بما يمنع تضارب القرارات ويحفظ المسؤولية المؤسسية.
فالقضية ليست صراعاً بين مسؤولين، بل ضرورة بناء آلية واضحة لاتخاذ القرار، تضمن التكامل بين التقدير السياسي والخبرة الفنية، وتمنع أن تتحول السياسات التعليمية إلى قرارات متغيرة دون معايير مستقرة.
القضية ليست في الإغلاق أو السماح في حد ذاتهما، وإنما في الأساس الذي يقوم عليه القرار والضمانات التي تحكم تنفيذه. فاستقرار التعليم العالي يتطلب قرارات مؤسسية واضحة، لا تتعارض فيها الاعتبارات السياسية مع المعايير الأكاديمية، ولا يُترك فيها الطلاب عرضة لنتائج التباين بين الجهات الرسمية.
إن صون سمعة الجامعات السودانية لا يتحقق بمجرد التوسع خارج الحدود، بل بتقديم تعليم معترف به، يستوفي المعايير القانونية والعلمية، ويعزز ثقة الطلاب والمجتمع في مؤسسات التعليم العالي. وهذا هو المعيار الحقيقي الذي ينبغي أن تُقاس به أي سياسة تتعلق بمستقبل المراكز الجامعية السودانية في الخارج.

مقالات ذات صلة