*الهلال كريمة أكبر من الأشخاص.. فلماذا رفض لجنة التسيير قبل أن تبدأ عملها؟*

بقلم: بكري خليفة صديق
تابعتُ البيان الصادر باسم قاعدة وجماهير نادي الهلال كريمة، الرافض لتشكيل لجنة التسيير الجديدة، والذي دعا إلى تكوين لجنة توافقية تضم كفاءات من أبناء النادي. ومع كامل الاحترام لحق الجماهير في إبداء رأيها والدفاع عن ناديها، أرى أن المرحلة الحالية تتطلب قدراً أكبر من الحكمة والتروي، وأن مصلحة الهلال ينبغي أن تكون فوق كل الاعتبارات والخلافات.
كنت قريباً من مجلس الإدارة السابق، الذي انتهت فترة عمله، ولمست خلال أحاديثي مع عدد من أعضائه، وفي مقدمتهم السكرتير محمد خلف الله «حداثة» ومدير النادي الحاج ثنية والاخ نميري نقشة ، إلى جانب بقية الأعضاء، حالة من الزهد في الاستمرار بالعمل الإداري، وهو ما أكدوه في تصريحاتهم السابقة. وكان من المفترض أن يكون انتهاء فترة المجلس مناسبة لفتح صفحة جديدة، لا لإعادة إنتاج الخلافات ذاتها.
لكن صدور بيان يرفض لجنة التسيير الجديدة بصورة قاطعة، قبل أن تبدأ عملها وتُمنح الفرصة الكافية لإثبات قدرتها على إدارة النادي، يطرح تساؤلاً مشروعاً: إذا كان مجلس الإدارة السابق زاهداً بالفعل في الاستمرار، فلماذا لا تُمنح اللجنة الجديدة الفرصة للعمل، بدلاً من الدخول في مواجهة معها منذ يومها الأول؟
لقد اعتمد الاتحاد السوداني لكرة القدم تشكيل لجنة تطبيع جديدة لنادي الهلال كريمة، برئاسة اللواء متقاعد أسامة عثمان محمد حمد، وفقاً للخطاب الصادر عن الأمانة العامة للاتحاد بتاريخ 24 أكتوبر 2026، وذلك عقب انتهاء فترة المجلس السابق وعدم انعقاد جمعية عمومية لانتخاب مجلس جديد، واستناداً إلى توصية اللجنة القانونية وشؤون الأعضاء بالاتحاد.
وحدد الاتحاد مهام اللجنة في تسيير النشاط الرياضي، والإشراف على تسجيلات اللاعبين، وإدارة الشؤون المالية والاستثمارية والقانونية، وتوفيق أوضاع العضوية، والعمل على عقد جمعية عمومية لانتخاب مجلس إدارة جديد.
وبحسب ما ورد في الخطاب، فإن اللجنة جاءت لمعالجة أوضاع النادي الإدارية والقانونية وتسيير شؤونه خلال المرحلة الانتقالية، وليس من أجل البقاء في مقاعد الإدارة إلى أجل غير معلوم.
أربعة أشهر من العمل.. أليست كافية لمنح اللجنة فرصة؟
إن اللجنة الجديدة أمامها فترة محددة ومهام واضحة، وأبرزها تهيئة الأوضاع لعقد جمعية عمومية وانتخاب مجلس إدارة جديد. ولذلك، أرى أن من الإنصاف أن تُمنح الفرصة للعمل، وأن يكون الحكم عليها من خلال ما ستنجزه، لا من خلال المواقف المسبقة.
فإذا نجحت في أداء مهامها، فإنها تكون قد قدمت خدمة للهلال وجماهيره، وإذا أخفقت أو قصّرت، فلكل حادث حديث، ويمكن حينها تقييم تجربتها ومحاسبتها بالطرق المؤسسية والقانونية.
أما رفضها قبل أن تبدأ، فإنه قد يضع العراقيل أمام مساعي الاستقرار الإداري، في وقت يحتاج فيه النادي إلى تضافر الجهود أكثر من حاجته إلى الانقسام والتجاذبات.
ومن خلال أحاديثي مع عدد من جماهير الهلال وأقطابه، لمست أن هناك من لا يقف في صف شخص أو مجموعة بعينها، بقدر ما ينحاز إلى من يستطيع تقديم الإضافة الحقيقية للنادي. وهؤلاء يريدون رؤية عمل ملموس، ويأملون أن تنجح اللجنة الجديدة في إحداث تغيير إيجابي يعيد الاستقرار الإداري ويواكب تطلعات الجماهير.
وهذا هو الموقف الذي ينبغي أن يسود: لا اصطفاف مع أشخاص، ولا عداء لأشخاص، وإنما انحياز كامل لمصلحة الهلال.
الهلال أمام مرحلة تاريخية.. والممتاز لا ينتظر
يدخل الهلال كريمة مرحلة مهمة بعد صعوده إلى الدوري الممتاز، وهي مرحلة تتطلب عملاً إدارياً منظماً، ورؤية واضحة، وموارد مالية، واستعداداً يتناسب مع حجم المنافسة المقبلة.
والدوري الممتاز ليس مجرد مشاركة عابرة، بل مسؤولية كبيرة تستدعي تهيئة الفريق، وترتيب الأوضاع المالية والإدارية، وتوفير بيئة تساعد اللاعبين والجهاز الفني على تقديم المستوى الذي يليق بتاريخ النادي وجماهيره.
فهل من مصلحة الهلال أن ينشغل أبناؤه بالخلاف حول اللجنة، بينما تنتظر النادي تحديات أكبر تتعلق بالمشاركة في الممتاز والاستعداد لها؟
إن المطالبة بلجنة توافقية تضم كفاءات حقيقية من أبناء النادي، كما جاء في البيان، تظل مطلباً يمكن مناقشته في إطار الحوار، لكن الوصول إلى التوافق لا يكون بالرفض القاطع وحده، وإنما بالتفاهم وتقديم المقترحات العملية، مع مراعاة الإجراءات التي اتبعها الاتحاد السوداني لكرة القدم.
ومن حق الجماهير أن تراقب أداء اللجنة، وأن تطالب بالشفافية، وأن تسأل عن معايير اختيار أعضائها ومدى استيفائهم للشروط المطلوبة. لكن من المهم أيضاً ألا تتحول هذه المطالب إلى سبب لتعطيل العمل أو إضعاف فرص الاستقرار.
رسالة إلى أبناء الهلال
رسالتي إلى قاعدة وجماهير وأقطاب الهلال كريمة أن النادي أكبر من الأشخاص والمجموعات، وأن تاريخه العريق يستحق أن نتعامل مع قضاياه بروح المسؤولية، بعيداً عن تصفية الحسابات أو التسرع في إصدار الأحكام.
كما أن رسالتي إلى لجنة التسيير الجديدة أن المسؤولية التي أُوكلت إليها ليست وجاهة اجتماعية أو موقعاً للمجاملة، وإنما تكليف يتطلب العمل والشفافية والانفتاح على الجماهير والأقطاب، وإثبات الجدارة بالإنجازات لا بالتصريحات.
على اللجنة أن تفتح أبوابها للجميع، وأن تستمع إلى الأصوات الناقدة، وأن تعمل على معالجة المخاوف المتعلقة بالعضوية والتمثيل، وأن تضع عقد الجمعية العمومية في مقدمة أولوياتها، حتى تنتقل إدارة النادي إلى مجلس منتخب بإرادة أعضائه.
وفي المقابل، على الرافضين منحها فرصة لإثبات قدرتها، مع الاحتفاظ بحقهم في النقد والمساءلة وفقاً للنظام الأساسي والإجراءات القانونية.
خلاصة القول:
الهلال كريمة مقبل على مرحلة مهمة في تاريخه الرياضي، وصعوده إلى الدوري الممتاز ينبغي أن يكون نقطة انطلاق نحو مزيد من الاستقرار والتطور، لا مدخلاً إلى صراعات إدارية جديدة.
لسنا مع لجنة لمجرد أنها شُكّلت، ولسنا ضدها لمجرد أننا لم نشارك في اختيارها. نحن مع كل من يعمل لمصلحة الهلال، ويضع النادي فوق مصالحه الشخصية.
فلتعمل اللجنة، ولتراقبها الجماهير، وليكن الإنجاز هو الفيصل.
الهلال يحتاج إلى من يبني، لا إلى من يهدم، وإلى من يجمع الصفوف، لا إلى من يوسّع دائرة الخلاف.
فهل يمنح أبناء الهلال لجنتهم الجديدة فرصة الأشهر الأربعة لتثبت قدرتها، أم تبدأ المعركة الإدارية قبل أن تبدأ معركة الهلال الحقيقية في الدوري الممتاز؟
الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن الخاسر الأكبر من استمرار الخلاف هو الهلال نفسه.

مقالات ذات صلة