سبع سنوات يا أبي، وما زال يوم رحيلك أقرب إليّ من الأمس، كأن الزمن مضى من حولي وتوقف عندك، يوم توسّدت روحك صدري، وشعرت لأول مرة أن ظهري قد انكسر.
رحلتَ يا أبي، وبقيتُ ذلك الطفل ابن السابعة، الذي ينتظرك عند الباب كل مساء، يعرف وقع خطواتك قبل أن يراك، فإذا أقبلتَ عادت الدنيا إلى مكانها.
ما زالت رائحتك تسكن ذاكرتي، وحكاويك التي كنت تقصّها علينا تعيش بيننا؛ نرويها اليوم لأبنائنا، فنجد أنفسنا نردّد كلماتك وكأنك ما زلت تجلس وسطنا.
أبي… يا قطعةً من قلبي وكبدي…
لم تكن أباً فحسب، بل كنت صديق العمر ورفيق الدروب، والسند الذي لم أكن أشعر بثقل الحياة ما دمتَ إلى جواري.
وما أكثر الدروب التي جمعتنا!
في بورتسودان، ، تركنا للبحر شيئاً من حكاياتنا، وفي دامر المجذوب، كنا نعيد ترتيب أحلامنا كلما بعثرتها الأيام.
وفي دمشق ، عشنا أياماً لا تزال تفاصيلها حاضرة. أما الصحافة وبحري والدروشاب والحلفايا، فلكل منها في القلب باب تفتحه الذكرى، فتعود منه أصواتنا وخطواتنا وأحاديثنا التي لم تكن تنتهي.
لم تكن تلك المدن مجرد محطات في حياتنا؛ كانت صفحات من عمر عشنا بعضه أباً وابنه، وأكثره صديقين لا تفصل بينهما مسافة العمر.
ومن بين كل تلك الذكريات، تبقى لصباحات الجمعة مكانة لا تشبه سواها.
ما زلت أفتقد تلك الساعة التي كانت تجمعنا في وسط الحوش، حين أجلس لأحلق لك شعرك وأهذّب شيئاً من لحيتك.
ساعة واحدة… كانت تكفي لتمحو عن روحي تعب أسبوع كامل.
نتبادل الأخبار، ونتحدث عن الأهل والناس، وعن أشياء صغيرة لم نكن نعلم أنها ستصبح يوماً أعظم ما نفتقده.
كنت أحلق لك شعرك، وكنت أنت، دون أن تدري، تزيل عن قلبي ما علق به من هموم.
وما كنت أعلم أن خصلات الشعر المتناثرة حولنا، وحديثنا العابر، وذلك السكون الجميل بين الكلمات، ستصبح يوماً ذكريات أبحث فيها عنك.
آهٍ يا أبي… ما أغلى الأشياء التي نعيشها ببساطة، ثم ندرك قيمتها حين تصبح مستحيلة العودة!
ولم تكن تلك الساعات مجرد أحاديث عابرة؛ ففيها، وفي سائر أيامنا، تعلّمت منك كيف أحب الناس، وكيف يكون الخير فعلاً لا يحتاج إلى ضجيج.
أحببتُ أهلي لأنك أحببتهم، ولأن وصاياك بهم ما زالت تسكن قلبي، وأحببتُ العقدة وأهلها، وكجبي، وكل مكان مررت به، وكل إنسان تركت في قلبه أثراً.
لقد تركت لي ميراثاً لا يُقسم بين الورثة؛ محبةً للناس، ووفاءً للأهل، وانتماءً لأرض كلما ابتعدت عنها ازددت قرباً منها.
علّمتنا، أنا وإخوتي، كيف نكون إخوةً لا تجمعنا روابط الدم وحدها، بل تجمعنا المودة، ويسند بعضنا بعضاً حين تميل به الأيام.
وعلّمتني أن أهلي عزوتي، وأن العائلة ليست أسماء تجمعها شجرة نسب، بل جذور نتكئ عليها حين تشتد الرياح.
أما أعظم ما علّمتني إياه، يا أبي، فهو كيف أكون أباً.
لم تعلّمني ذلك بالمواعظ، بل كنت أراه فيك؛ في صبرك علينا، وفي قربك منا، وفي قدرتك على أن تكون أباً حين نحتاج إلى التوجيه، وصديقاً حين نحتاج إلى البوح.
واليوم، كلما جلست إلى أبنائي، أو أصغيت إلى حكاياتهم، أجدني أستعير شيئاً منك دون أن أشعر.
فبعض الآباء لا تنتهي أبوتهم برحيلهم، بل تمتد في أبنائهم، جيلاً بعد جيل.
وها هو عام سابع يمضي على رحيلك، وما يؤلمني اليوم أنني لم أستطع الوقوف عند قبرك هذا الصباح، كما كنت أفعل في مثل هذا اليوم قبل ثلاث سنوات ونصف.
كنت أقف هناك، أدعو لك، وأحدّثك في صمتي عن أحوالنا، وأعود وفي قلبي شيء من السكينة.
أما اليوم، فقد باعدت بيننا ظروف الأيام، وبقي الدعاء طريقاً لا تغلقه المسافات.
سبع سنوات يا أبي…
وما زلت حين تفرحني الحياة أتمنى لو كنت أول من أخبره، وحين تضيق بي أفتقد صوتاً كان يكفي وحده ليعيد إليّ اتزاني.
علّمتني الكثير، لكنك لم تعلّمني كيف أعتاد غيابك.
كنت أظن أن رحيلك قد كسر ظهري، حتى أدركت أن ما غرسته فيّ من قيم ومحبة وإيمان هو ما ظل يسندني طوال هذه السنوات.
رحمك الله يا أبي، وأنار قبرك، وجعل ما زرعته فينا من خير نوراً لك، وجمعنا بك في مستقر رحمته، حيث لا فراق بعد اللقاء.
سبع سنوات يا أبي… وما زلت كل صباح جمعة أفتقد تلك الساعة في وسط الحوش؛ أفتقد صوتك وحديثك، وأتمنى لو يعود الزمن قليلاً، لا لأغيّر شيئاً من حياتي، بل لأجلس إلى جوارك مرة أخرى… وأحلق لك شعرك.
رحمك الله يا أبي…



