*إثيوبيا أكثر دول الجوار اعتداء ونقضا للعهود على مر التاريخ – من تدمير مروي إلى الفشقة.. إثيوبيا أكثر دول الجوار اعتداء ونقضا للعهود على مر التاريخ – من تدمير مروي إلى الفشقة*

بسم الله الرحمن الرحيم

🧙🏽‍♂️إثيوبيا أكثر دول الجوار اعتداء ونقضا للعهود على مر التاريخ –
من تدمير مروي إلى الفشقة

🌹[المقال الثالث ]

✒️بقلم: البروفيسور هاشم البدري – مدير مركز السلام للدراسات والبحوث الاستراتيجية – جامعة كرري – السودان – الخرطوم

🚨إثيوبيا لم تكن يوما جارة مسالمة. التاريخ يشهد أنها لم تراعي حسن الجوار وهى التي اعتدت عليه في كل العصور، وفي كل مرة بنفس النمط: التوسع بالسلاح، ثم تثبيت التوسع باتفاقية ظالمة، ثم نقض الاتفاقية بالسلاح مرة أخرى.

🙋🏽منذ ألف وسبعمائة عام لم توقع إثيوبيا مع السودان معاهدة سلام واحدة احترمتها .
كل معاهدة نقضتها بالسلاح.

1️⃣. العهد المسيحي –
تدمير مملكة مروي:

المؤرخون يذكرون أن الملك عيزانا ملك أكسوم (325م) هو من دمر مملكة مروي الكوشية، وحرق معابدها، وقتل كهنتها، ونهب ذهبها، وكتب ذلك بنفسه على مسلة أكسوم التي لا تزال موجودة في متحف أكسوم: “أحرقت مدنهم وقراهم وسلبت مواشيهم وقتلت رجالهم وسبيت نساءهم”. أول عدوان إثيوبي موثق على السودان كان تدمير حضارتنا، قبل الإسلام بأكثر من 300 سنة. وتدمير مروي لم يكن حربا عادية، بل كان إبادة حضارية لتدمير مركز القوة السوداني في النيل الأوسط وإحلال أكسوم مكانه وهي تشبة ماتقوم به مليشيا الدعم السريع في السودان اليوم

2️⃣ العهد التركي والمهدية:
– 1875م:
– الإمبراطور يوحنا الرابع غزا القضارف وكسلا وهزم في معركة قندت، لكنه عاد بجيش أكبر.
– 1885-1896م: الإمبراطور يوحنا والإمبراطور منليك هاجما المهدية في اثنى عشر غزوة متتالية، وصلت قواتهم حتى سواكن، وقتلوا آلاف السودانيين في القلابات ، ونهبوا القضارف وحرقوا القرى. المهدي نفسه توفى وهو يعد جيشا لرد العدوان الحبشي، وخليفته عبد الله التعايشي أرسل ثلاث جيوش لصد الحبشة.
– 1896م: منليك احتل أراضي بني شنقول السودانية الأصل وضمها بالقوة، وفرض على سكانها الجبايات والعبودية.

3️⃣. العهد الحديث – 1902 إلى 2026: من اتفاقية الظلم إلى الاحتلال المسلح:

أولا: وقائع اتفاق 1902 – تقسيم الحدود الإثيوبية السودانية :

هذا هو أخطر اتفاق في تاريخ السودان الحديث، وهو الذي أسس لكل مآسي الحدود الشرقية حتى اليوم.
أ- السياق السياسي قبل الاتفاق:
بعد هزيمة إيطاليا في معركة عدوة 1896م، أصبح منليك الثاني إمبراطورا قويا، وبدأ يتوسع في كل الاتجاهات: احتل بني شنقول 1896م، واحتل الأوجادين، واحتل جنوب السودان حتى الناصر. وكانت بريطانيا تحتل السودان ومصر، وكانت تخشى منليك لأنه مدعوم من فرنسا وروسيا بالسلاح، وكانت تخشى أن يتحالف مع فرنسا ضدها في النيل.

فقررت بريطانيا أن تشتري صداقة منليك بقطعة من أرض السودان، تماما كما تفعل الدول الاستعمارية دائما: تمنح أرضا لا تملكها لمن لا يستحقها.
ب- أطراف الاتفاق:
وقع الاتفاق في 15 مايو 1902م في أديس أبابا، بين طرفين فقط، ولم يكن السودان طرفا فيه أصلا:
– الطرف الأول: الإمبراطور منليك الثاني، إمبراطور إثيوبيا.
– الطرف الثاني: اللورد كرومر، المعتمد البريطاني في مصر، ممثلا عن بريطانيا ومصر والسودان المستعمر.
– الغائب الأكبر: لم يكن هناك أي ممثل سوداني، ولم يستشر أي سوداني، ولم يعرف أهل الفشقة وبني شنقول أن أرضهم ستباع إلا بعد خمس سنوات.

وسمي الاتفاق رسميا: “اتفاقية منليك – كرومر لترسيم الحدود بين السودان وإثيوبيا 1902″،
“اتفاقية بيع السودان”.
ج- نصوص الاتفاق الظالمة – .خمس بنود خطيرة:
البند الأول: خط الحدود:
رسم الاتفاق خط الحدود من جبل أبو طيور شمالا، مرورا بنهر ستيت، إلى النيل الأزرق جنوبا، ثم إلى بحيرة رودلف. وهذا الخط اقتطع من السودان مساحة تقدر بـ 120 ألف كلم مربع، وهي مساحة أكبر من دولة قطر والبحرين والكويت مجتمعة.

البند الثاني: الفشقة:
نص الاتفاق على أن الفشقة الكبرى والصغرى
(وهي أخصب أرض زراعية في السودان، مساحتها اثنين مليون فدان، وتقع بين نهري ستيت وباسلام) تكون تابعة للسودان نظريا، لكن يسمح للمزارعين الإثيوبيين بالزراعة فيها ودفع الضرائب للسودان. وهذا البند هو الذي فتح باب الاحتلال: فالإثيوبيون دخلوا كمزارعين، ثم تحولوا إلى مستوطنين مسلحين، ثم ادعوا أن الأرض لهم لأنهم زرعوها خمسون سنة.

البند الثالث: بني شنقول:
نص الاتفاق صراحة على أن إقليم بني شنقول السوداني يضم إلى إثيوبيا نهائيا، مقابل أن تتعهد إثيوبيا بعدم بناء أي سدود على النيل الأزرق بدون إذن بريطانيا. وهذا هو البند الأخطر، وسنشرحه بالتفصيل أدناه.
البند الرابع: النيل الأزرق:
تعهد منليك بعدم بناء أي سد أو خزان على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط بدون موافقة بريطانيا ومصر والسودان. وهذا البند نقضته إثيوبيا في 2011م ببناء سد النهضة بدون إذن أحد، وهو دليل على أن إثيوبيا لا تحترم أي معاهدة.

البند الخامس: التجارة:
سمح الاتفاق لإثيوبيا باستخدام ميناء بورسودان للتجارة بدون جمارك، وسمح لبريطانيا ببناء سكة حديد من جيبوتي إلى أديس أبابا.
د- لماذا يعتبر الاتفاق باطلا قانونيا؟
من الناحية القانونية الدولية، اتفاق 1902 باطل لأربعة أسباب:
1. غياب صاحب الأرض: السودان لم يكن طرفا فيه، ولا يجوز أن يبيع شخص أرض شخص آخر.
2. الإكراه الاستعماري:
وقع تحت الاحتلال البريطاني، ولم يكن للسودان إرادة حرة.
3. عدم التصديق:
لم يصدق عليه البرلمان البريطاني ولا البرلمان الإثيوبي، ولم ينشر في الجريدة الرسمية.
4. نقضه من إثيوبيا نفسها: إثيوبيا نقضت البند الرابع ببناء سد النهضة، ومن ينقض بندا ينقض كل الاتفاق.

ثانيا: كيف ضُمت ولاية بني شنقول لإثيوبيا؟ – قصة الخيانة الكاملة:

بني شنقول ليست أرضا إثيوبية. هي أرض سودانية خالصة، بالجغرافيا والتاريخ والعرق واللغة.

أ- ما هي بني شنقول؟
– الموقع: تقع على الضفة الشرقية للنيل الأزرق، جنوب الفشقة مباشرة، مساحتها 50 ألف كلم مربع، أي أكبر من دولة الدنمارك.
– السكان: سكانها هم قبائل البرتا والجوموز والشيناشا، وهم قبائل سودانية الأصل، يتحدثون اللغة العربية والنوبية، ويدينون بالإسلام، ويرتدون الجلابية السودانية، ويزرعون الذرة والسمسم مثل أهل القضارف تماما.
– التاريخ: كانت بني شنقول مملكة سودانية مستقلة، يحكمها سلطان سوداني اسمه السلطان خوجلي حسن، وكان تابعا لسلطنة سنار السودانية، ثم للمهدية. ولم تكن تابعة لأكسوم إطلاقا.
– الذهب: بني شنقول فيها أكبر مناجم ذهب في حوض النيل، ومنجم “بامبيدي” و”أسوسا” كانا يمدان مملكة سنار بالذهب لقرون.

ب- خطوات الضم –
ثلاث مراحل:
✅المرحلة الأولى: الغزو العسكري 1896م:
بعد معركة عدوة، أرسل منليك جيشا بقيادة الجنرال “راس مكاونت” قوامه عشرون ألف جندي مدجج بالسلاح الفرنسي، لغزو بني شنقول.
قاوم السلطان خوجلي حسن مقاومة شرسة في معركة “معركة بني شنقول 1896م لكنه هزم بسبب تفوق السلاح الناري، وتم أسره وإرساله إلى أديس أبابا مكبلا بالسلاسل، حيث مات في السجن عام 1898م.
وفرض الإثيوبيون على سكان بني شنقول الجبايات والعبودية، وأخذوا أطفالهم كعبيد.
✅المرحلة الثانية: التثبيت القانوني باتفاق 1902م:
عندما جاءت بريطانيا لترسيم الحدود، وجدت أن بني شنقول محتلة بالفعل من إثيوبيا. وبدلا من أن تطالب بإعادتها للسودان، قررت أن تكافئ المحتل، فنصت في اتفاق 1902 على أن بني شنقول تصبح جزءا من إثيوبيا رسميا، مقابل وعد كاذب من منليك بعدم بناء سد على النيل الأزرق. وهذا هو منطق الاستعمار: من يحتل أرضا بالقوة، نعطيه وثيقة قانونية تثبت احتلاله.

✅المرحلة الثالثة: التذويب الثقافي 1902-2026م:
بعد الضم، قامت إثيوبيا بمحاولة محو الهوية السودانية في بني شنقول:
– منعت اللغة العربية في المدارس وفرضت اللغة الأمهرية.
– منعت الجلابية السودانية وفرضت اللباس الإثيوبي.
– هدمت المساجد وبنت الكنائس.
– غيرت أسماء القرى من أسماء عربية سودانية إلى أسماء أمهرية.
– نقلت مستوطنين أمهرا إلى بني شنقول لتغيير التركيبة السكانية.
– ورغم كل ذلك، لا يزال أهل بني شنقول حتى اليوم يتحدثون العربية، ويغنون الأغاني السودانية، ويطالبون بالعودة للسودان .

🎯ج- الدليل القاطع أن بني شنقول سودانية:
– وثيقة بريطانية 1898م: في أرشيف وزارة الخارجية البريطانية FO 1/40، تقرير للسير ريجينالد ونجت، حاكم السودان، قال فيه: “بني شنقول أرض سودانية، وسكانها سودانيون، واحتلالها من قبل منليك هو عدوان يجب رده”.
– خريطة 1900م:
– خريطة رسمية بريطانية قبل اتفاق 1902، تضع بني شنقول داخل حدود السودان باللون الأحمر، وتضع إثيوبيا خارجها.
– شهادة أهل بني شنقول أنفسهم: في استفتاء غير رسمي عام 2019م، قال 85% من سكان بني شنقول إنهم سودانيون ويتمنون العودة للسودان.

ثالثا: بعد 1902 – من الاتفاق إلى الاحتلال:

– 1958-1995م: احتلال الفشقة الكبرى والصغرى تدريجيا بمزارعين مسلحين تدعمهم الحكومة الإثيوبية، وبناء أكثر من 200 مستوطنة و3000 مزرعة مسلحة داخل الأرض السودانية، بدعوى أن اتفاق 1902 سمح لهم بالزراعة.
– 2020-2022م: اعتداءات مباشرة على الجيش السوداني في جبل أبو طيور والفشقة، وكمائن غادرة استشهد فيها سبع جنود سودانيين وهم في أرضهم، وتم أسر جنود سودانيين والتمثيل بجثثهم.
– 2023-2026م: إيواء وتدريب مليشيا الدعم السريع في إقليم أمهرا وتشييد مطار أصوصا العسكري في قلب بني شنقول المحتلة لدعم المليشيا بالسلاح والمرتزقة، وتحويل بني شنقول إلى قاعدة خلفية لضرب السودان.

📚الخلاصة:
اتفاق 1902 هو أصل كل البلاء:

اتفاق 1902 لم يكن اتفاق سلام، بل كان صك بيع
. باعت بريطانيا أرض السودان لمنليك، لتشتري صداقته. وباعت بني شنقول السودانية لإثيوبيا، وفتحت باب احتلال الفشقة. ووضعت شرطا واحدا مقابل كل هذا: أن لا تبني إثيوبيا سدا على النيل الأزرق. فبنت إثيوبيا السد في 2011م، ونقضت الاتفاق، ومع ذلك لا تزال تحتفظ بالأرض.
🟥الرؤية المستقبلية السودانية
🎯من نقض الاتفاق فقد حقه فيه.
✅إذا كان اتفاق 1902 قد سقط ببناء سد النهضة،
1️⃣. فإن اقليم بني شنقول يجب أن بعود للسودان
2️⃣ الفشقة يجب أن تتحرر،
3️⃣ الحدود يجب أن ترسم من جديد

والله اكبر والعزة للسودان

المقال الرابع بعنوان
دور السودان في استقرار الدولة الإثيوبية من كرن إلى سقوط منقستو

 

–

 

 

ا

مقالات ذات صلة