*دوزنة أحاسيس: أشقاء في النور… حين يشرق الوفاء من عيون مصرية بقلم :_وداد الماحي*

 

​حين يشتد ليل المحن، وتتسع رقعة الوجع، يأتي النور من حيث لا تحتسب القلوب، ليكسوَ عتمة الأيام ببيان الإنسانية الخالص. ما أروع أن ترتفع الأقنعة عن وجه الحياة، فلا نرى إلا وجوهاً أزلية الشبه بنا، تنبض نبض العروبة والأخوة الحقة، لتؤكد أن السودانيين في مصر ليسوا مجرد طارقي باب أو ضيوف عابري سبيل، بل هم أصحاب دار، وأهل عهد وميثاق.
​قصة تلك الأسرة السودانية التي غشي البصرُ عيون أفرادها لم تكن مجرد بلاغ إنساني مرّ على شاشات التواصل، بل كانت اختباراً جديداً لحيّز الضمير الحي. وحين استجاب صانع المحتوى المصري “الهلالي شو” لنداء الوجع، وتداعى طبيب العيون النبيل الدكتور محمد رزق ليفتح بابه وقلبه وعيادته بلا منّ ولا أذى، لم يكن ذلك غريباً على معدن الأطباء المصريين، ولا على نخوة أرض الكنانة التي ما ضاقت يوماً بملهوف.
​وما بين نداء صانع محتوى لم يغمض له جفن، واستجابة طبيب نبيل وضع قسم الطب فوق كل اعتبار، تتكشف عظمة الإعلام الحقيقي حين يُسخّر لخدمة الإنسان وجراحاته. إن تحرك “الهلالي شو” لم يكن مجرد نقل لقصة معزولة، بل كان “صرخة ضمير” أيقظت في الحيّز الرقمي معاني التكاتف، ليتلقفها الدكتور محمد رزق بقلبٍ يرى في عتمة عيون تلك الأسرة نداءً يستحق الفداء، مؤكداً أن المروءة لا تحتاج إلى بروتوكولات، بل إلى نبضة صدق تعبر الحدود والمسافات.
​وهنا يبرز التساؤل المشروع، وتتأكد الحاجة الماسة لدور رجال المال والأعمال والشركات الكبرى؛ فالعمل الإنساني العظيم، وإن قامت جمرته على شهامة الأفراد، يحتاج إلى مؤسسية تدعمه وتوسع مداه. إن رأس المال الحقيقي لا يُقاس بالأرقام في الحسابات، بل بما يتركه في صحائف الإنسانية من أثر. ومثل هذه الحالات الحرجة، من علاج مستعصٍ وتدخلات طبية دقيقة، تستنهض همم رجال الأعمال والقطاع الطبي الخاص ليكونوا سنداً حقيقياً، يتبنون المبادرات، ويوفرون شبكة أمان صحية ومجتمعية للأشقاء الذين تقاسمت معهم الأقدار مرارة الظروف. حين يلتقي نبض الطبيب المعالج مع سخاء المال الوطني وحس المسؤولية الاجتماعية، تكتمل سيمفونية التكافل على أصولها.
​وحين تنظر إلى هذه الأسرة، وإلى ذلك الأمل الذي بدأ يتدفق في عيونهم بعد غشاوة طويلة، تدرك أن أرواح السودانيين في مصر محاطة دائماً بسياج من المحبة. إنهم لا يبحثون عن إحسان، بل يجدون أنفسهم بين أهلهم، في وطنٍ ثانٍ تتسع فيه القلوب قبل الدار، وتصغر أمامه كل مسافات المنفى والوجع.
​إن إعلان الطبيب أن ما يقدمه هو “واجب تجاه أشقاء” يضع النقاط على حروف الحقيقة الناصعة: نحن شعبان بدم واحد، وتاريخ مشتبك بالطيبات، ونسب يمتد في عمق الروح. هؤلاء الأطباء وأصحاب الضمائر الحية يخطون بأفعالهم أصدق معاني “دوزنة أحاسيس” الأمة؛ حيث تنضبط إيقاعات القلوب على نغمة التضامن، وينسحق الغريب فينا ليصير القريب الأقرب.
​فلنقف جميعاً تحية تقدير واحترام لقلوب لم تعرف التردد؛ شكراً لصانع المحتوى “الهلالي شو” الذي جعل من منبره صوتاً لمن لا صوت له، وشكراً عاطراً للطبيب الإنسان الدكتور محمد رزق الذي أعاد بصيص النور لأعين أنهكتها عتمة المرض وغربة الأيام. إن مواقف كهذه تثبت أن الإنسانية ليست شعارات تُرفع، بل أفعال تنبض بالرحمة والشهامة، وأن الخير في هذه الأمة باقي وممتد ما دام فيهم من يقف مع شقيقه لا يبتغي سوى وجه الإنسانية والواجب.
​سلامٌ على كل يد تمتد لترفع غشاوة الألم، وسلامٌ على عيون تنظر إلى وجع الآخرين بعين الرحمة والبصيرة. فالشعوب العظيمة لا تقيس أواصرها بجوازات السفر، بل بنبضات الوفاء إذا استغاث الملهوف.. ودائماً، تظل مصر والسودان كتاباً مفتوحاً عنوانه الأبدي: أشقاء في السراء والضراء، لا ضيوف على قلوب بعضنا البعض.

مقالات ذات صلة