*المراكز الخارجية للجامعات السودانية: قرار الاستمرار ليس ضماناً للاعتراف محمد الامين القراشي*

 

تحولت قضية المراكز الخارجية للجامعات السودانية من خلاف إداري بين مجلس الوزراء ووزارة التعليم العالي إلى مسألة تمس مستقبل آلاف الطلاب وأوضاعهم القانونية والأكاديمية. لذلك، لا ينبغي التعامل مع توجيه رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس باستمرار نشاط هذه المراكز حتى توفيق أوضاعها باعتباره حلاً نهائياً، لأن المشكلة أعمق من قرار إداري.
فمن المعلوم بداهة أن التوجيه لا يمنح ترخيصاً خارجياً، فصلاحيات رئيس الوزراء داخل السودان لا تمنح مراكز الجامعات ترخيصاً في الدول المضيفة. فاستمرار مركز تابع لجامعة سودانية في مصر أو السعودية أو قطر أو الإمارات أو الأردن لا يعني أن السلطات هناك تعترف به أو ببرامجه. لكل دولة قوانينها في التعليم العالي والمعادلة، وقد يكتشف الطالب بعد سنوات أن شهادته غير معترف بها، ولا يكون التوجيه السوداني مستنداً ملزماً لجهات الاختبار.
واشتراط موافقة الدولة المضيفة لم يكن ابتكاراً في الخلاف الحالي، بل ورد في لائحة تنظيم إنشاء مراكز وفروع الجامعات خارج السودان لسنة 2023 (القرار 163). فقد ألزمت الجامعات بالحصول على موافقات السلطات المختصة في الدولة المضيفة، واستيفاء الشروط الأكاديمية والإدارية والفنية، وإجراءات التصديق الميداني والنهائي، وموافقة الجهات المعنية على الامتحانات. أي أن السودان نفسه أقر بأن النشاط الخارجي لا يخضع لإرادته الإدارية وحدها. والمطلوب الآن التمييز بين المراكز المستوفية، وتلك التي بدأت التوفيق، والمراكز غير المرخصة، لا وضع الجميع تحت مظلة توجيه عام.
وتزداد حساسية المسألة في مصر، حيث يشترط المجلس الأعلى للجامعات مستندات محددة لمعادلة الشهادات الأجنبية، منها شهادة تحركات وجواز سفر طوال فترة الدراسة لبعض الحالات. وهذا يثير أسئلة جوهرية: هل المركز مرخص مصرياً؟ وهل البرنامج معتمد؟ وهل نمط الدراسة ومكانها يتفقان مع شروط المعادلة؟ الاعتراف بالجامعة الأم لا يعني الاعتراف تلقائياً بكل فرع أو مركز أو نمط دراسة. ويجب أن يعرف الطالب ذلك قبل التسجيل ودفع الرسوم، لا بعد التخرج.
وهناك تجربة الأردن مطلع ٢٠٢٠ ، حين برزت أزمة اعتراف بنظام الانتساب في الجامعات السودانية وشملت آلاف الطلاب، تقدم درساً واضحاً: الاعتراف بالجامعة لا يعني الاعتراف بكل أنظمة الدراسة، والشهادة من مؤسسة معترف بها قد لا تُقبل تلقائياً لدى جهات الدولة الأخرى. وآثار الخلل لا تظهر دائماً في البداية، بل قد تتكشف عند المعادلة أو الترخيص المهني.
إذن الاعتراف بالاسم لا يكفي، ودول الخليج وغيرها تفرق بين الدراسة الحضورية والإلكترونية وعن بعد والمدمجة، وتختلف شروط قبولها. كما أن الاعتراف الأكاديمي لا يضمن ممارسة المهنة؛ فالطب والصيدلة والهندسة تخضع لمجالس مهنية إضافية. لذا يجب على أي جامعة أن توضح البرامج ونمط الدراسة وآلية الامتحانات والجهة المانحة للشهادة ومدى توافقها مع اشتراطات الدولة المضيفة.
والاحتجاج بحالة الحرب يمكن أن تبرر البحث عن بدائل لاستمرار التعليم، لكنها لا تبيح تجاوز قوانين الدول المضيفة أو تعريض الطلاب لمخاطر. كان الأجدر بناء تفاهمات دبلوماسية ومؤسسية مع الدول المعنية لتسوية أوضاع المراكز، بدلاً من توجيه عام قد يُفهم كتفويض مفتوح.
وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا لو رفضت جهة مختصة معادلة شهادة طالب درس في مركز غير مستوف؟ من يعوضه عن السنوات والرسوم؟ وهل توجد مسارات بديلة؟ لا يكفي التأكيد على صدور قرار الاستمرار. على الجامعات إعلان الوضع القانوني لكل مركز والموافقات والبرامج وآلية الامتحانات، وعلى الوزارة أداء دورها الرقابي، مع آلية رسمية للتحقق قبل التسجيل وضمانات انتقالية لمن التحق بالفعل.
جوهر الاعتراض ليس على استمرار التعليم، بل على تحويل توجيه إداري إلى ضمان قانوني وأكاديمي غير مكتمل. القرار قد يسمح باستمرار النشاط من منظور الإدارة السودانية، لكنه لا يلزم دولة أخرى بالاعتراف. على الحكومة والجامعات تقديم إجابات موثقة، وعلى الطلاب وأسرهم عدم الاكتفاء باسم الجامعة أو الوعود، بل المطالبة بمستندات الموافقة السودانية والمضيفة واعتماد البرنامج ونمط الدراسة وإمكانية المعادلة. فالتعليم حق، وحماية مستقبل الطلاب مسؤولية لا تحتمل التأجيل.

مقالات ذات صلة