*مِفْتَاح المدى… (حكاوي من زمن الحرب) ساعة… لكنها اختصرت كل شيء بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد حمد*

مِفْتَاح المدى… (حكاوي من زمن الحرب)
ساعة… لكنها اختصرت كل شيء
بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد حمد
ساعة واحدة… لكنها اختصرت كل شيء!
هكذا كانت مدة خطاب سعادة السفير الدكتور كمال علي عثمان، بالأمس، في حفل تكريمه من قبل جاليته وأركان حربه وضيوفه، الذين توافدوا من كل فج عميق، ليحظوا بشرف اللقاء به ووداعه، وهو يستعد للانتقال إلى محطة أخرى من محطات العطاء، وكأنما يستحضر في رحيله قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾.
كان الخطاب أشبه بكتاب مفتوح، احتوى على أربع عشرة نقطة، كل واحدة منها تستحق أن تكون كتاباً مستقلاً، أو منهجاً في القيادة، أو حكاية تستحق أن تُروى.
أربع عشرة نقطة، بدأت بتحية الضيوف، لكنها سرعان ما تجاوزت حدود المجاملة والبروتوكول، لتتحول إلى وصايا وحِكم، تذكّرنا بوصايا لقمان لابنه، وبحديث الأنبياء إلى أقوامهم وأهليهم؛ حديث المسؤولية والمحبة والإصلاح.
( ألسنة الخلق أقلام الحق)… هكذا بدا مشهد الأمس. لم تكن الكلمات وحدها هي التي تتحدث، بل كانت الوجوه والمواقف والدموع والابتسامات شهادات حية على ما تركه الرجل في نفوس من حوله.
رجل اجتمعت فيه كل الخصال ، فكان نموذجاً للرجل الجامع، الذي يجد عنده المختلفون مساحة للالتقاء، ويجتمع حوله الخصوم والفرقاء دون أن يفقد أحدهم خصوصيته أو رأيه.
أربع عشرة نقطة لم تكن مجرد سرد لمحطات عمل، بل كانت رؤية ورسالة وخطة استراتيجية، وكتاباً مفتوحاً كُتب على الهواء، لكنه استقر في ذاكرة الحاضرين.
منذ وصوله إلى جدة، بدأ بالشعور بالمسؤولية، وجلس على كرسي القيادة مدركاً أن الموقع تكليف قبل أن يكون تشريفاً. فكر وتدبر، وحدد أهدافه، ورسم طريقه، وتحسس مواقع القوة في فريقه، فكان أركان حربه نعم العون والسند. ثم انطلق في فضاء العمل، يتابع ويقيّم ويصحح، حتى ظهرت ثمار ذلك الجهد في صورة رأيناها ولمسناها بالأمس.
عمل، واجتهاد، ومحبة صادقة من الناس.
لقد منحنا الرجل تعريفاً آخر للقيادة، ومعنى مختلفاً للمحبة والقدوة والرسالة، بل وفتح أمامنا نافذة أخرى لفهم الدبلوماسية؛ فهي ليست مجرد منصب أو مراسم أو علاقات رسمية، وإنما قدرة على بناء الجسور، واحتواء الاختلاف، وتحويل العلاقات الإنسانية إلى رصيد من الثقة والاحترام.
التقيته بالكاد خمس مرات، بالتمام والكمال، لكنها كانت لقاءات أشبه بخمس نوافذ أطللت منها على جوانب مختلفة من شخصيته. وفي كل مرة كنت أكتشف أن بعض الشخصيات لا تحتاج إلى كثرة اللقاءات حتى تترك أثراً، فالعبرة ليست بعدد المرات التي نلتقي فيها، وإنما بما تتركه تلك اللقاءات في دواخلنا.
أتمنى من أركان حربك في القنصلية، ومن أبناء الجالية، بل وحتي من وزارة الخارجية ومجلس الوزراء أن يعيدوا قراءة خطاب الأمس، وأن يتوقفوا عند نقاطه الأربع عشرة، تحليلاً وتوثيقاً واستخلاصاً للدروس، لتكون مادة لمنهج عمل ورؤية للمستقبل، وربما نموذجاً لما نحتاج إليه في سوداننا القادم.
وأروع ما في تلك الرسائل أنها لم تقدم الإنسان باعتباره كائناً لا يخطئ، بل باعتباره بشراً نخطئ ونصيب، نتفق ونختلف، نقترب ونبتعد، لكننا نملك دائماً القدرة على الاعتذار والتسامح، وعلى أن نبدأ من جديد.
ما أحوجنا في هذه المرحلة إلى تعميق ثقافة التسامح، وترسيخ روح السلام، واستعادة عظمة البناء. فالأوطان لا تنهض بمجرد الاتفاق، ولا تستقر بإلغاء الاختلاف، وإنما تنهض حين نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نختلف في الرأي دون أن نخسر بعضنا بعضاً.
أخيراً، وفقك الله في كل مكان تمضي إليه، وفي كل رسالة تحملها، وهنيئاً لكل من ستعمل معهم أو من أجلهم. فبعض الناس يغادرون مواقعهم، لكنهم يتركون خلفهم أثراً لا يغادر المكان.
أما أنت، يا دكتور كمال، فإن اختزال تعريفك في لقب سعادة السفير يبدو أمراً صغيراً أمام ما شهدناه من معانٍ وتجارب ومواقف. فالألقاب تصف المواقع، لكن المواقف وحدها هي التي تكشف معادن الرجال.
ونواصل ….

مقالات ذات صلة