بالنظر لشخصية الأمين العام لجامعة الدول العربية، السفير نبيل فهمي، وهو يبتدر مهمة ثقيلة في بيت العرب الأول أن يسارع بزيارة السودان وهو ما زال يكابد أزمة الحرب وتوابعها، لذا جاءت الزيارة استثنائية بكل المقاييس، وحملت مضامين سياسية عميقة ورسائل واضحة بشأن مستقبل الأزمة السودانية، وموقع السودان في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي.
كما كانت زيارة غير مسبوقة من حيث طبيعة اللقاءات، واتساع دائرة المشاورات، ومضمون الرسائل التي صدرت عنها، وما عكسته من إدراك عربي لخطورة المرحلة التي يمر بها السودان وضرورة التعامل معها برؤية مختلفة.
والأهم من ذلك أن الزيارة جاءت في أعقاب اجتماعات جنيف التي شاركت فيها الجامعة العربية ضمن الآلية الخماسية، وفي وقت تتكاثر فيه المبادرات والتحركات الدولية والإقليمية بشأن السودان، الأمر الذي منحها أهمية سياسية خاصة، باعتبارها تعبيراً عن موقف عربي واضح يسعى إلى مساندة السودان، ودعم استقلال قراره، وتهيئة الظروف لحوار وطني تتولى قيادته الأطراف السودانية نفسها.
وقد عبّر لي السفير زيد الصبان مدير إدارة السودان والقرن الإفريقي بالجامعة العربية عن جوهر هذا التوجه بوضوح، حين قال إنهم جاؤوا من جنيف حاملين لواء دعم السودان، وإن هذا الموقف عبّروا عنه في اجتماعات الخماسية والرباعية، كما أعلنوه صراحة في كلمات مختلفة استمع لها الجميع. وأضاف أنهم جاءوا إلى السودان للتحدث مع مختلف الأطراف حول توطين الحوار وأهمية أن يكون بقيادة الأيادي السودانية، مؤكداً أنهم لم يتعرضوا، من قريب أو بعيد، لموضوع الهدن، وأن السودان المستقل هو الذي يقرر ما يراه مناسباً، وأن الجامعة العربية على استعداد لدعمه في أي عمل يسير في هذا الاتجاه.
وهذه الإفادة تضع الأمور في نصابها الصحيح، وتكشف حقيقة الرسالة التي حملتها زيارة الأمين العام للجامعة العربية للخرطوم ، وتدحض بصورة قاطعة محاولات تصويرها باعتبارها تحركاً لنقل مطالب أو إملاءات من عواصم خارجية.
وقد تابعنا جميعا التصريحات الإعلامية للأمين العام، و البيانات المتتالية التي صدرت عقب لقاءاته، فضلاً عن البيان الشامل الذي صدر بعد الزيارة بيوم واحد، تؤكد صواب توجه الجامعة العربية تجاه القضية السودانية، وليس هناك حاجة لصناعة روايات مضللة من شأنها إثارة الفتنة، وإضعاف الثقة في المواقف الداعمة للسودان، وبث الإحباط في نفوس السودانيين الذين يتطلعون إلى موقف عربي مساند في مواجهة الحرب والتدخلات الخارجية. فالاختلاف في قراءة التحركات الدبلوماسية حق مشروع، أما اختلاق الوقائع ونسب مواقف إلى مسؤولين لم يعلنوها، فهو أمر يخرج عن مقتضيات المسؤولية المهنية والأخلاقية للإعلام.
وبالعودة إلى مضمون الزيارة، نجد أن الرسالة الأبرز التي وجهتها الجامعة العربية إلى الأطراف المعنية بالأزمة كانت واضحة ومباشرة: «ارفعوا أيديكم عن السودان». وهي رسالة تختصر موقفاً سياسياً رافضاً للتدخلات الخارجية التي تسهم في إطالة أمد الحرب أو تنتقص من استقلال القرار الوطني. كما أكدت الجامعة أن دور الأطراف الإقليمية والدولية ينبغي أن ينحصر في مساعدة السودانيين على تجاوز أزمتهم، لا أن تتحول إلى أطراف في صراعهم أو جهات تفرض عليهم خيارات بعينها.
وقد اكتسبت هذه الرسالة قوتها من طبيعة اللقاءات التي أجراها الأمين العام خلال زيارته التي استغرقت نحو عشرين ساعة، وشملت رئيس مجلس السيادة، ورئيس مجلس الوزراء، ووزير الخارجية، وأعضاء لجنة تهيئة الحوار، إلى جانب لقاءات مع قوى سياسية ومدنية وقيادات مجتمعية، فضلاً عن جولته الميدانية في العاصمة الخرطوم للوقوف على آثار الحرب وحجم الدمار الذي طال مؤسسات الدولة ومرافق الحياة العامة.
ولعل من أبرز دلالات الزيارة تأكيد الجامعة العربية أن الحل السياسي للأزمة السودانية ينبغي أن يكون سودانياً في قيادته وملكيته ومضمونه.
وقد أعلن الأمين العام استعداد الجامعة لتقديم الدعم السياسي والفني للحوار الوطني، سواء بصورة مباشرة أو بالتنسيق مع شركائها في الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي ومنظمة الإيقاد، مع التأكيد على أن هذا الدعم لا ينتقص من حق السودانيين في تحديد أولوياتهم وصياغة مستقبل بلادهم.
كما حملت الزيارة اعترافاً عملياً بأهمية المؤسسات الوطنية السودانية، وضرورة المحافظة على وحدة الدولة وسيادتها وسلامة أراضيها، وهي مواقف ظلت الجامعة العربية تؤكدها منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وتجددت في قراراتها وبياناتها المختلفة، بما في ذلك رفض المساس بالبنية المؤسسية للدولة أو تشجيع قيام كيانات موازية.
أما على صعيد مستقبل الأزمة، فإن الزيارة تفتح نافذة مهمة أمام ثلاثة مسارات متكاملة: أولها المسار السياسي، من خلال تيسير الحوار السوداني الشامل وتوفير الدعم العربي اللازم لإنجاحه؛ وثانيها المسار الإنساني، عبر حشد المساعدات وتخفيف معاناة المواطنين والنازحين والمتضررين من الحرب؛ وثالثها مسار التعافي وإعادة الإعمار، الذي يتطلب تعبئة الإمكانات العربية لمساندة السودان في إعادة تأهيل مؤسساته وبنيته التحتية واستعادة الحياة في المدن المتضررة.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه المسارات تظل مرتبطة بمدى احترام الإرادة السودانية، والابتعاد عن محاولات الوصاية أو فرض الحلول الجاهزة. فالسودان، بما يملكه من تاريخ ومؤسسات وكفاءات وطنية، قادر على تحديد خياراته، وكل ما يحتاج إليه من أشقائه وأصدقائه هو الدعم الصادق والمساندة التي تعزز قدرته على تجاوز محنته.
إن زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية تمثل تطوراً مهماً في مسار العلاقات العربية السودانية، وتؤشر إلى استعداد الجامعة للانتقال من تأكيد المواقف السياسية إلى الإسهام العملي في تهيئة الظروف للحوار والتعافي وإعادة البناء. وهي فرصة ينبغي التعامل معها بوعي ومسؤولية. فالجامعة العربية جاءت زائرة للسودان وهي حاملة موقفاً عربياً معلناً في دعم السودان، ومساندة حواره الوطني، واحترام سيادته واستقلال قراره. وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن تنطلق منها أي قراءة موضوعية للزيارة، وما سيتمخض عنها من موافق ايجابية وتحركات رشيدة تصب في صالح الشعب السوداني .




