*مفتاح المدي .. ( دلالات من الحكم الخضرية ) الدلالة الثالثة عشر .. لفضيلة الشيخ الدكتور خضر الشيخ شرف الدين من كتابه ( الحكم الخضريه : مناداة القلوب الشراد في حكم ومعان وارشاد) بقلم : د. محمد حمد محمداحمد*

في هذه الحكمة، يفتح الشيخ خضر الشيخ شرف الدين باباً من أبواب معرفة التجلّي؛ ذلك الباب الذي لا يُفتح للعبد إلا حين يكون قلبه قد تهيّأ، وتطهّر، وتهيّأ للوقوف بين يدي الله وقفة أهل الصفاء.
يقول الشيخ:
(( كلما رآك لائقاً له جذبك إلى ذكره وصفائك، وكلما رآك عارضاً منه تركك في الغفلة وصدّك…))
هذه العبارة ليست مجرد وصفٍ لحال العبد، بل هي قانونٌ روحي يحكم حركة القلب بين الجذب والترك، بين الإقبال والإدبار، بين الصفاء والغفلة.
الجذب… حين يراك الله أهلاً للقرب
الجذب في اصطلاح أهل التصوف ليس حركةً من العبد، بل هو مبادرةٌ من الحق. إنه لحظةٌ يلتفت فيها الله إلى عبده، فيراه:
• قد صفّى نيّته،
• وطهّر سريرته،
• ووقف على باب الذكر وقوف المتأدّبين،
• فحينها يجذبه إليه جذبةً لا تشبه شيئاً من حركات البشر.
الجذب ليس مكافأة، بل هو اصطفاء، هو أن يُفتح لك باب الذكر دون أن تطلبه، وأن يُلقى في قلبك نورٌ لا تعرف مصدره، وأن تجد نفسك تقول: سبحان الله دون أن تكون قد رتّبت لها وقتاً أو مجلساً.
الجذب هو أن يُصبح الذكر طبعاً لا تكلّفاً، وأن يتحوّل القلب إلى ساحةٍ يمرّ فيها اسم الله كما تمرّ النسمة في الفجر.
الترك… حين يعرض العبد فيُترك
أما قوله: (( وكلما رآك عارضاً منه تركك في الغفلة وصدّك))
فهو من أعمق ما قيل في أدب الطريق، فالترك ليس عقوبة، بل هو نتيجة طبيعية لابتعاد القلب. حين يعرض العبد عن الذكر، أو ينشغل بالدنيا حتى ينسى نفسه، فإن الله يتركه لما اختاره، ويتركه في الغفلة التي أرادها لنفسه.
الغفلة ليست ظلاماً، بل هي غياب النور. هي أن يتحرك الجسد بينما الروح نائمة، وأن يتكلم اللسان بينما القلب صامت، وأن يعيش الإنسان أيامه دون أن يشعر بأن الله يراه.
والصدّ هنا ليس صدّاً قاسياً، بل هو صدّ رحيم؛ صدٌّ يجعل العبد يشعر بوحشةٍ في قلبه، فيعود إلى الله كما يعود الطفل إلى حضن أمّه حين يضيع.
الحمد… حين يكون الذكر جراحةً في اللسان
ثم يقول الشيخ:
(( فالحمد لله الذي أقامك على ذكره وتسبيحه ولو بجراحة كاللسان…))
يا لها من عبارة! إنها تُشبه حال العبد الذي يذكر الله وهو متعب، مكسور، مثقل، لكنه لا يستطيع أن يترك الذكر. كأن الذكر جرحٌ في اللسان، لكنه جرحٌ يُحيي ولا يُميت.
هذا هو الذكر الذي يحبه الله : ذكرٌ يأتي من قلبٍ مجروح، ولسانٍ متعب، وروحٍ تبحث عن ملجأ. ذكرٌ لا يُقال من باب العادة، بل من باب الحاجة.
فالعبد الذي يذكر الله وهو في جراحه، هو عبدٌ عرف الطريق، وعرف أن الشفاء يبدأ من الذكر قبل الدواء.
الغاية… حين يتوحّد الذكر في القلب والجنان واللسان
ثم يختم الشيخ بقوله:
(( وإن كان بالقلب والجنان واللسان فتلك الغاية وهي مشاهدة الواحد الديّان))
هنا يصل الشيخ إلى قمة السلوك.
فالذكر درجات:
• ذكرٌ باللسان… وهو بداية الطريق.
• ذكرٌ بالجنان… وهو حضور القلب.
• ذكرٌ بالقلب… وهو أن يصبح الله هو الهمّ الأول.
• فإذا اجتمعت الثلاثة، صار العبد في مقام المشاهدة.
والمشاهدة ليست رؤيةً بالعين، بل هي رؤيةٌ بالبصيرة. هي أن ترى أثر الله في كل شيء، وأن تشعر بقربه في كل لحظة، وأن يصبح وجوده هو الحقيقة الكبرى التي لا يغيب عنها القلب.
المشاهدة هي أن يتحوّل الكون إلى مرآة، وأن يتحوّل القلب إلى نافذة، وأن يتحوّل الذكر إلى حياة.
خلاصة الذوق
هذه الحكمة تقول لنا:
• إن الله هو الذي يجذبك، لا أنت.
• وإن الغفلة ليست عقوبة، بل نتيجة.
• وإن الذكر جراحةٌ تُنبت نوراً.
• وإن الغاية هي أن يصبح الله هو المشهد الوحيد في القلب.
إنها حكمةٌ تُعيد ترتيب الطريق، وتُعلّم السالك أن القرب ليس جهداً بشرياً فقط، بل هو هبةٌ إلهية تُعطى لمن لاقَ قلبه مقامها …
ونواصل …..

مقالات ذات صلة