إبراهيم أحمد عبدالرحيم (سالكا): يوم انتصر القلم على الرماد

الى ابنائنا وبناتنا الذين جلسوا اليوم على مقاعد النجاح

الى من نزحوا عن ديارهم

والى من بقوا في ديارهم

الى من حملوا كتبهم في حقائب النزوح

والى من حملوها في بيوت ظلت تقاوم الحرب والحر والقلق وانقطاع الكهرباء

اليوم لا نريد ان نقيس نجاحكم بالدرجات وحدها

فبعض النجاحات اكبر من ان تختصرها الارقام

لقد درستُم في زمن لم تكن فيه الدراسة مجرد فتح كتاب والجلوس امامه

درستم والكهرباء غائبة

والحرارة تثقل الانفاس

والليل طويل حين ينقطع التيار

والنهار مرهق تحت وطأة الاجواء القاسية

درستم في بيوت فقدت كثيرا من هدوئها

وفي مدن تغيرت ملامحها

وفي ظروف جعلت الحصول على ابسط مقومات الحياة معركة يومية

ومنكم من نزح مع اسرته

ومنكم من ظل في مكانه يواجه ظروف الحرب وما خلفته من خوف وضيق

ومنكم من انتقل من مدرسة الى اخرى

ومنكم من واصل تعليمه في ظروف لم تكن تشبه الحياة الطبيعية التي عرفها السابقون

ومع ذلك جلستم للامتحان

وهنا تكمن قيمة هذا النجاح

انتم لم تدخلوا قاعة الامتحان وحدكم

دخل معكم تعب اسركم

ودعوات امهاتكم

وصبر ابائكم

وذكريات الايام الصعبة

وحكايات النزوح والانتظار

وصوت مولد الكهرباء حين يكون موجودا

وصمت البيت حين ينقطع التيار

وحرارة الايام التي لم تمنحكم حتى رفاهية الجلوس براحة امام كتبكم

وكان خلفكم ايضا معلمون ومعلمات يستحقون منا اليوم وقفة اجلال

معلمون يعملون في ظروف قاسية

ويؤدون رسالتهم باجور لا توازي حجم مسؤوليتهم

ويذهبون الى مدارسهم وهم انفسهم يعيشون ضيق الحاجة وقسوة الواقع

معلم يشرح الدرس وهو يفكر في احتياجات بيته

ومعلمة تدخل الفصل وهي تحمل هموم اسرتها

ومع ذلك يضعون كل ذلك خلف ظهورهم عندما يقفون امام طلابهم

هؤلاء ايضا شركاء في هذا النجاح

فاذا كانت الشهادة تحمل اسم الطالب

فان وراءها اسماء كثيرة لا تظهر على الورق

ام سهرت

واب صبر

ومعلم واصل رسالته

واسرة تحملت

وطالب رفض ان يجعل من الحرب ذريعة للتراجع

يا ابنائنا وبناتنا

انتم جيل لم ينل فرصته كاملة

لكنكم اثبتم ان الانسان يستطيع ان يصنع من القليل شيئا عظيما

لم تنتظروا ان تصبح الحياة مثالية حتى تتعلموا

ولم تنتظروا عودة الكهرباء حتى تفتحوا الكتب

ولم تنتظروا انتهاء الحرب حتى تبدأوا صناعة مستقبلكم

تعلمتم وسط النقص

ونجحتم وسط الاضطراب

وحافظتم على الحلم في زمن حاولت فيه الظروف ان تجعل المستقبل نفسه مجهولا

ولهذا نقول لكم اليوم

لا تنظروا الى شهاداتكم باعتبارها نهاية الطريق

انظروا اليها باعتبارها امانة

انتم ابناء مرحلة استثنائية من تاريخ السودان

مرحلة علمتكم معنى الصبر قبل ان تعلمكم المناهج

وعرفتكم قيمة الامن قبل ان تعرفكم قيمته الكتب

فكونوا في المستقبل اكثر رحمة بالضعفاء

واكثر تقديرا للمعلم

واكثر تمسكا بالعلم

واكثر حرصا على وطن دفعتم ثمنا غاليا من اجل ان تحافظوا على احلامكم فيه

والى كل من لم يحالفه النجاح هذه المرة

لا تجعلوا نتيجة واحدة تختصر حكايتكم

فالحياة لا تقيس الانسان بورقة

ومن تأخر اليوم يستطيع ان يصل غدا

ومن تعثر في طريقه لا يعني انه فقد الطريق

اما اليوم فهو يوم الفرح

يوم يحق للامهات ان يبتسمن

وللاباء ان يرفعوا رؤوسهم

وللمعلمين ان يشعروا ان تعبهم لم يذهب سدى

ولكل بيت سوداني ان يفرح بنجاح ابنائه مهما كانت الظروف التي احاطت بهذا النجاح

الف مبارك لابنائنا وبناتنا

للنازحين وغير النازحين

لمن درسوا في المدن والقرى

ولمن واصلوا تعليمهم في ظروف الشتات

لمن واجهوا انقطاع الكهرباء

ولمن قاوموا قسوة الطقس

ولمن وجدوا الى جوارهم معلما صابرا رغم ضيق ذات اليد

الف مبارك لكل ام واب ومعلم واسرة كانوا جزءا من هذه الرحلة

لقد كان الطريق مليئا بالعتمة

لكنكم حملتم القلم

وكانت الايام شديدة الحرارة

لكنكم واصلتم

وكان الوطن مثقلا بالجراح

لكنكم لم تتخلوا عن احلامكم

فاليوم ليس يوم اعلان نتائج فقط

اليوم يوم اعلان انتصار الارادة على الظروف

وانتصار الامل على اليأس

وانتصار القلم على الرماد

مبارك لكم هذا الفرح

ومبارك للسودان بابنائه وبناته

ونسأل الله ان يأتي العام القادم والسودان اكثر امنا وسلاما

وان تعود المدارس عامرة بطلابها

والمعلم عزيزا مكرما

والكهرباء حاضرة

والبيوت مطمئنة

والاسر مجتمعة

والاطفال يدرسون بلا خوف

ويحلمون بمستقبل لا تكون فيه الحرب جزءا من طفولتهم

هنيئا لكم يا ابناء السودان

لقد كتبتم اليوم صفحة مضيئة في زمن شديد العتمة

وسيظل هذا النجاح شاهدا على ان الحياة حين تجد الارادة

تستطيع ان تزهر حتى فوق الرماد وتحية لابناء الشمالية والدبة خاصة ومنطقة الجابرية الكبري بصورة اخص لما شهدناه بانفسنا من معاناة ومكابدة الظروف والتغلب عليها بالاصرار والعزيمة…

مقالات ذات صلة