اتقِ شرّ من أحسنتَ إليه… ومضات في دروب الاحسان حين يختبره البشر
في كل قلبٍ لحظةٌ لا تُنسى: لحظةٌ يمدّ فيها الإنسان يده بيضاء، فيعود إليه بعض الناس بسوادٍ لا تفسير له إلا ما يختبئ في الأعماق من نقصٍ، أو كِبرٍ، أو خوفٍ من ضوءٍ لا يستطيعون احتماله. وهكذا وُلدت الحكمة القديمة، حكمةٌ تشبه تنهيدة شيخٍ جرّب الدنيا، فقال: اتقِ شرّ من أحسنتَ إليه.
لكنّ هذه الحكمة، مهما بدت حادّة، ليست دعوةً إلى الانكماش، بل إلى الفهم؛ ليست سيفاً نرفعه في وجه العالم، بل مرآةً نرى فيها طبائع النفوس حين يختلط فيها الامتنان بالغيرة، والودّ بالخوف، والفضل بالضغينة.
أقسى ما في التجربة الإنسانية أن الإساءة لا تأتي من بعيد، بل من حيث وضعنا ثقتنا، ومن حيث ظننّا أن الطريق واحد، والظلّ واحد، والنية واحدة. يحدث أن نرفع أحدهم من عثرته، فنُفاجأ بأنه أول من يدفعنا حين نقف على حافة التعب
هذه اللحظات تُربك الروح، وتُشعر الإنسان بأن الخير صار عبئاً، وأن الإحسان صار مخاطرة. لكنّ الحقيقة أن الإحسان لا يُختبر إلا حين يُقابل بالإساءة؛ فالخير الذي ينتظر شكراً ليس خيراً، بل معاملة. أما الخير الذي يُقدَّم رغم الجراح، فهو الذي يصنع الإنسان الذي لا تُهزمه التجارب.
الإحسان… لغةٌ لا يتقنها إلا الكبار ، النفوس الصغيرة تظن أن الإحسان ضعف، وأن التسامح تنازل، وأن الصبر هزيمة. لكن النفوس الكبيرة تعرف أن: الإحسان قوةٌ لا يملكها إلا من تجاوز ذاته ، والعفو رفعةٌ لا يصل إليها إلا من أدرك أن الكرامة في السموّ لا في الردّ،والاستمرار في الخير رغم الألم هو أعلى درجات الوعي.
الإحسان ليس فعلاً اجتماعياً، بل موقفٌ وجودي يعبّر عن نوع القلب الذي نحمله، وعن الرسالة التي نريد أن نتركها في هذا العالم مهما تغيّر الناس من حولنا.
لماذا نستمر في الإحسان رغم الجور؟ لأننا لا نُحسن من أجل الناس، بل من أجل أنفسنا. لأن الخير الذي نقدّمه يعود إلينا في شكل صفاءٍ داخلي، وطمأنينةٍ لا تُشترى، وارتفاعٍ لا يُدركه إلا من جرّب أن يكون كبيراً في زمنٍ يضيق بالكبراء. ولأن الظلم – مهما بلغ – لا يملك القدرة على تغيير جوهر الإنسان ما لم يسمح هو بذلك. نُحسن لأن الإحسان هويتنا، ولأن الإساءة طارئة، ولأن الناس يتبدّلون، لكن المبادئ لا تتبدّل.
نعم، اتقِ شرّ من أحسنتَ إليه… لكن لا تجعل هذه الحكمة تُطفئ نورك، أو تُقيد يدك، أو تُحوّل قلبك إلى حصنٍ مغلق. اتقِ شرّه بالوعي، لا بالخوف. اتقِ شرّه بالحدود، لا بالقسوة. اتقِ شرّه بالتمييز بين من يستحق أن يُفتح له الباب، ومن يكفيه أن يُترك خارج السور.
أما الإحسان… فهو الطريق الذي اخترناه، واللغة التي نتحدث بها، والظلّ الذي نمشي فيه مهما اشتدّ القيظ.
نُحسن لأننا نعرف أن الخير لا يضيع، وأن الله لا ينسى، وأن القلوب الكبيرة لا تُغيّرها الجراح، بل تُهذّبها.
ونواصل ….



