*مطبات طريق ​والي الخرطوم في موقع التوزيع.. عندما تسبق الخطوة التنفيذية المكاتب! ​بقلم: وداد الماحي*

​تجيء الزيارات المفاجئة للمسؤولين التنفيذيين في أوقات الحسم لتضع النقاط على الحروف، وتفتح نوافذ الأمل لدى المواطن المنهك بحثاً عن تفاصيل حياته اليومية وأساسيات عيشه. وفي هذا السياق، لم تكن جولة والي الخرطوم الأخيرة لموقع تنزيل وشحن الدقيق بالقرب من نادي الهلال مجرد مرور عابر أو لقطة بروتوكولية للعدسات، بل كانت مواجهة مباشرة مع شريان الإمداد الأول في العاصمة المتمثل في دقيق الخبز.
​الموقع المشهود، الذي تحول إلى مركز حركة دؤوبة لتفريغ العربات والشاحنات وتوزيع الحصص على التجار وأصحاب المخابز، شهد حضوراً ميدانياً رفقة الأجهزة الرقابية والتنفيذية ذات الصلة، للابتعاد عن الخطب والاقتراب من التفاصيل اللوجستية المعقدة، بدءاً من كيفية وصول الدقيق وطريقة تفريغه، وصولاً إلى الضمانات الكفيلة بانسيابه وسرعة وصوله إلى المخابز دون اختناقات. وقد تجلت أهمية هذه الزيارة في التفاعل المباشر بين الوالي والمتواجدين في الموقع، حيث عبّر عدد من التجار وأصحاب المخابز عن استحسانهم لهذا التواجد الذي أسهم في تذليل العقبات اللوجستية فوراً، وحسم الإجراءات البيروقراطية في الحين واللحظة.
​إن الوقوف الميداني على حركة التفريغ والشحن في هذا الموقع الحيوي يبعث بمسارات واضحة؛ فأولها للتجار والمتعاملين في الإمداد بأن سلاسل الإمداد باتت تحت المجهر التنفيذي المباشر، وأن موقع التجميع يجب أن يظل نقطة انطلاق سريعة ونزيهة نحو المخابز بعيداً عن أساليب الاحتكار أو التسريب. وثانيها لأصحاب المخابز بأن تذليل عقبات النقل والتفريغ تقابله مسؤولية أخلاقية ومهنية لا تهاون فيها، تشمل الالتزام الصارم بالأوزان والجودة والعمل بكل الطاقات لتغطية حاجة المواطنين. ولأن الزيارة لم تقتصر على التوجيه الشفهي، فقد أُتبع الموقف بتوجيه صريح لتشكيل آلية متابعة ميدانية دائمة بالتنسيق مع الجهات المختصة، تفادياً لأي تكدس مستقبلي ولضمان عدم تسريب الحصص المدعومة إلى الأسواق الموازية، مع تأكيد موجه للمواطن والرأي العام بأن الدولة حاضرة في قلب الميدان وتقف بنفسها على تفاصيل قوت اليوم.
​إن إدارة ملف التموين في ظل التحديات الراهنة تتطلب تجاور المساعي وتكامل الجهود بين السلطة التنفيذية والتجار وأصحاب المخابز، فالشفافية في توزيع الحصص من نقاط التجميع الكبرى والرقابة المباشرة على حركة الشاحنات هما الطريق الأقصر لردع التلاعب وسد الثغرات أمام الأزمات المفتعلة، كما أن استقرار إمداد الخبز يعد الركيزة الأساسية لتدعيم التعافي والاستقرار المجتمعي الشامل الذي تشهده الخرطوم.
​وهنا يأتي الدور الأهم للإعلام الوطني والرقابي الذي لا يكتفي بنقل الخبر، بل يمارس واجبه الميداني والأخلاقي كعين ساهرة تكشف الخلل وتساند الشرفاء. وهي رسالة واضحة لكل من تحدثه نفسه بالتلاعب بقوت الناس في هذه الظروف الاستثنائية: إن المرحلة التاريخية لبناء الوطن وتثبيت أركانه لا تحتمل الجشع ولا تجارة الأزمات، وعلى المتلاعبين أن يدركوا جلياً أن المواطن اليوم، بعد كل ما كابده، يتملك وعياً وثقلاً استثنائياً ولن يرحم من يتاجر بمعاناته أو يعرقل معركة تعافيه واستقراره. وتتجاوز زيارة الوالي لموقع تنزيل الدقيق شكلها الرقابي لتكون رسالة طمأنة واستقرار، فالخبز ليس مجرد سلعة في قائمة التموين بل هو عنوان الاستقرار النفسي والمجتمعي، والدفاع عن وصوله كريماً ومتاحاً للجميع هو أولى الواجبات الوطنية التي لا تحتمل التأجيل أو المداراة.

مقالات ذات صلة