أحياناً لا نعرف الأشخاص إلا حينما نلتقي بهم حقاً؛ حين تتجاوز المعرفةُ حدودَ المجاملة، وتتخطّى سياج الدبلوماسية، وتدخل منطقةً لا تُفتح إلا لمن يستحق الدخول إليها. قد تجمعنا الأيام بأناسٍ نعرفهم ويعرفوننا، نلتقي بهم ويلتقون بنا، وتبقى المعرفة معرفةً عامة، سطحية، محكومة بظلال البروتوكول وابتسامات المناسبات. لكن من بين كل تلك اللقاءات، يجيء لقاءٌ واحد مختلف، كأنه صدفة من غير ميعاد، فيقلب موازين المعرفة 180 درجة… بل 360 درجة، كأنك تعود إلى نقطة البداية ولكن ببصيرة جديدة.
بالضبط هذا ما حدث معي مع الأخ مصطفى. لم تكن بيننا تعريفات رسمية، ولا مقدمات دبلوماسية، ولا تلك الجسور التي تُبنى عادة بين الكاتب والدبلوماسي. فالذي قدّم مصطفى إليّ لم يكن شخصاً، بل كانت الصدفة نفسها؛ صدفةٌ سبقت حديثي عنه، وفتحت الباب قبل أن أطرق عليه.
هو الوزير المفوض بسفارة السودان بالرياض، كما يحلو للكثيرين أن يدندنوا اسمه: مصطفى الحسين الشريف… فتى الخارجية الأسمر، وقنصل السودان بالرياض، ذلك الذي يمشي في الممرات كأنه يحمل في جيبه مفاتيح صغيرة لطمأنينةٍ كبيرة.
حين يتقدّم الإنسان على المنصب
ما شدّني إليه لم يكن منصبه، ولا حضوره الرسمي، ولا تلك الهيبة التي ترافق الدبلوماسيين عادة. ما شدّني هو الإنسان الذي يسبق المنصب، والروح التي تتقدّم على البطاقة التعريفية. رجلٌ إذا جلس معك جعل الحديث يأخذ شكلاً آخر؛ لا هو حديث بروتوكول، ولا هو حديث ونسة عابرة، بل حديثٌ يختلط فيه العمق بالبساطة، والودّ بالتحليل، والضحكة بالمسؤولية.
كنت أظن أن السلك الدبلوماسي عالمٌ مغلق، لا يُظهر إلا ما يريد، ولا يكشف إلا ما يضطر إلى كشفه. لكن معرفتي بمصطفى أعادت ترتيب الصورة: فالدبلوماسية ليست مكتباً ولا ملفاً، بل طريقة تفكير، وقراءة هادئة لما وراء السطور، وقدرة على أن تكون قريباً دون أن تفقد وقارك، وأن تكون واضحاً دون أن تفقد حكمتك.
مصطفى… حين يصبح الحضور رسالة
في زمن الحرب، يصبح كل لقاءٍ رسالة، وكل كلمةٍ موقفاً، وكل ابتسامةٍ مساحةً صغيرة للنجاة. ومصطفى واحد من أولئك الذين يملكون القدرة على تحويل اللحظة العادية إلى معنى، والحديث القصير إلى أثر، واللقاء العابر إلى معرفةٍ لا تُنسى.
رأيته يتعامل مع الناس كما يتعامل الطبيب مع نبض مريضه؛ يستمع أكثر مما يتحدث، ويهدّئ أكثر مما يعلو، ويُشعر من أمامه أن السفارة ليست مبنى، بل ملاذٌ صغير في زمنٍ كبير الاضطراب.
ولعلّ هذا ما جعلني أكتب عنه الآن؛ ليس لأنه دبلوماسي ناجح فحسب، بل لأنه إنسانٌ صالح في زمنٍ يحتاج إلى الصالحين.
اللقاء الذي يفتح نافذة على الوطن
حين خرجت من ذلك اللقاء، شعرت أنني لم أتعرف على مصطفى وحده، بل تعرفت على وجهٍ آخر للسودان؛ وجهٌ لا تصنعه الحرب، ولا تشوّهه السياسة، ولا تغلبه الفوضى. وجهٌ يشبه ذلك الفتى الأسمر الذي يحمل في صوته هدوء النيل، وفي خطواته صلابة الجبال، وفي حضوره تلك السودانية التي لا تُشبه إلا نفسها.
شكرا ..سعادة القنصل علي وقتك الذي اكرمتنا به تشريفا وتمثيلا لصرحكم وقائدكم بسفارة السودان بالرياض فقد كان اليوم عرسا للجيش الابيض وقلادة علي لوحة مجلس المهن الطبيه والصحيه وانتم تشاركوننا النجاحات .
ونواصل… فالحكاية لم تنتهِ، وما زال في «مفتاح المدى» متّسعٌ لحكايات أخرى من زمن الحرب، حكاياتٌ تُكتب لا لتوثّق الألم، بل لتوثّق الناس… أولئك الذين يصنعون المعنى حين يضيق العالم




