*ماذا تعني لجنة تهيئة الحوار اقتصادياً؟* محمد كمير 1 سبتمبر 2026*

 

قد يبدو اسم «لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني» سياسياً بحتاً، لكن النظر إليه من زاوية الاقتصاد يقود إلى معنى أكبر بكثير. فالاقتصاد لا يعيش منفصلاً عن السياسة، والاستثمار لا ينتظر فقط انخفاض الضرائب، والمواطن لا يحدد سلوكه الاقتصادي فقط وفق دخله، والبنك لا يقرض اعتماداً على الأرقام وحدها؛ الجميع يتصرف وفق سؤال واحد: ماذا سيحدث غداً؟ ولذلك فإن أهم منتج اقتصادي يمكن أن تصنعه لجنة تهيئة الحوار، إن نجحت، ليس قراراً مالياً ولا مشروعاً استثمارياً، وإنما تخفيض درجة عدم اليقين التي أصبحت واحدة من أكبر الضرائب غير المكتوبة على الاقتصاد السوداني.

اللجنة، بحسب ما أعلنته، لا تعتبر نفسها لجنة لإدارة الحوار نفسه ولا جهة تحدد المشاركين أو الأجندة أو النتائج مسبقاً، وإنما مهمتها تهيئة المناخ، وبناء الثقة، والاستماع إلى القوى السياسية والمدنية والمجتمعية داخل السودان وخارجه، والتواصل كذلك مع الأطراف الإقليمية والدولية. وتحدث أعضاؤها عن ثلاثة مسارات للمشاورات تشمل المجتمع وقواعده المدنية، والقوى السياسية والحزبية، ثم المحيط الإقليمي والدولي. كما تؤكد اللجنة أنها مبادرة مستقلة وأن مهمتها تيسيرية وتشاورّية وليست سلطة
اقتصادياً، كلمة «تهيئة» هنا مهمة جداً. رأس المال بطبيعته جبان، وهذه ليست إدانة للرأسمالية وإنما وصف لسلوك اقتصادي معروف. صاحب المصنع الذي يفكر في إعادة فتح مصنع متوقف، والمغترب الذي يريد إعادة جزء من أمواله، والتاجر الذي يفكر في استيراد بضاعة تكفي ستة أشهر، والمزارع الذي يحتاج إلى تمويل موسم كامل، كل هؤلاء يحتاجون إلى حد أدنى من القدرة على توقع المستقبل. عندما تكون الدولة في حالة حرب ومسار الحكم غير واضح والقوانين والمؤسسات عرضة للتغير، تتحول الأموال من الاستثمار طويل الأجل إلى التجارة السريعة، ومن الإنتاج إلى المضاربة، ومن العملة المحلية إلى العملات الأجنبية أو الذهب أو الأصول القابلة للحركة. فإذا استطاع الحوار تقليل احتمالات الصراع السياسي والعسكري ولو تدريجياً، فهو بذلك يخفض ما يسميه الاقتصاديون «علاوة المخاطر السياسية»، وهي التكلفة الإضافية التي يدفعها أي اقتصاد غير مستقر للحصول على التمويل والاستثمار والتجارة.

وهذه المسألة ليست نظرية بالنسبة للسودان. البنك الدولي يقدر أن الناتج المحلي الحقيقي انكمش بنحو 29.4 في المئة عام 2023 ثم 14 في المئة أخرى عام 2024، قبل ظهور تعافٍ محدود قُدّر بنحو 3.1 في المئة خلال 2025 من قاعدة اقتصادية شديدة الانخفاض. كما تراجعت إيرادات الحكومة من نحو 10 في المئة من الناتج المحلي قبل الحرب إلى أقل من 5 في المئة، وارتفعت تقديرات الفقر المدقع من 48 في المئة عام 2023 إلى نحو 59 في المئة عام 2025. البنك الدولي نفسه يربط مسار التعافي بصورة مباشرة باستعادة السلام والاستقرار، ثم تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومؤسسية.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى لجنة تهيئة الحوار كجزء محتمل من «البنية التحتية الاقتصادية» حتى وإن لم تضم في اسمها كلمة اقتصاد. فالطريق والكهرباء والموانئ بنية تحتية مادية، لكن الثقة والقانون والتوافق على قواعد إدارة الدولة بنية تحتية مؤسسية. لا يستطيع الاقتصاد الحديث أن يعمل طويلاً دون الاثنين. إذا نجحت اللجنة في نقل البلاد من مرحلة الصراع على شرعية الدولة إلى مرحلة الاتفاق على قواعد إدارة الخلاف، فإن ذلك يمكن أن يرسل إشارة إلى القطاع الخاص السوداني والمغتربين والممولين الدوليين بأن السودان يتحرك، ولو ببطء، من اقتصاد الحرب نحو اقتصاد التعافي.

وأول أثر إيجابي محتمل لذلك سيكون في الاستثمار المحلي قبل الاستثمار الأجنبي. السوداني الذي أخرج أمواله إلى الخارج أو احتفظ بها خارج الجهاز المصرفي لن يعيدها لمجرد دعوة وطنية، لكنه قد يبدأ في تغيير حساباته إذا رأى اتفاقاً سياسياً قابلاً للاستمرار، ومؤسسات تعمل، ومحاكم وقوانين يمكن توقع قراراتها، ونظاماً مصرفياً يمكن الوثوق به. وعندها يمكن أن تبدأ الأموال التي تدور حالياً في المضاربة والعملات والذهب والتجارة قصيرة الأجل في العودة تدريجياً إلى الزراعة والصناعة والخدمات وإعادة إعمار المدن.

الأثر الثاني يتعلق بالجنيه السوداني. اللجنة بالطبع لا تستطيع تحديد سعر الصرف، ولا ينبغي تحميلها ما ليس من اختصاصها، لكن قيمة العملة في الدول المأزومة ليست مسألة احتياطيات نقدية فقط؛ إنها أيضاً تصويت يومي على الثقة في مستقبل الدولة. عندما يتوقع المواطن مزيداً من الحرب والعجز والاضطراب، يحاول التخلص من العملة المحلية. وعندما يعتقد أن هناك طريقاً ولو طويلاً للاستقرار، يتراجع جزء من هذا الطلب الاحترازي على الدولار والذهب. الحوار الناجح لن يجعل الجنيه قوياً بين ليلة وضحاها، لكنه يستطيع معالجة أحد الأمراض التي تضغط عليه: الخوف من المستقبل.

ثم يأتي ملف المجتمع الدولي. المؤسسات الدولية والدول المانحة لا تمول إعادة إعمار كبيرة في بيئة لا تعرف من سيحكمها غداً ولا كيف ستدار مواردها ولا إن كانت الحرب ستعود بعد بناء ما تم تدميره. لذلك فإن الوصول إلى تسوية سياسية مقبولة يمكن أن يفتح الباب تدريجياً أمام إعادة دمج السودان اقتصادياً، واستئناف مسارات إعفاء الديون، والحصول على تمويل ميسر، ودعم البنية الأساسية والزراعة والتعليم والصحة، وجذب جزء من رؤوس الأموال السودانية الموجودة في الخارج. وهذا مهم لأن حجم الدمار تجاوز قدرة الموازنة السودانية نفسها على تمويل إعادة البناء.

وتوضح دراسة أصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أبريل 2026 حجم الخسائر. فقد قدرت خسارة السودان بنحو 6.4 مليارات دولار من الناتج في عام 2023 وحده، وقالت إن متوسط الدخول تراجع إلى مستويات لم يشهدها السودان منذ عام 1992. والأخطر أن استمرار الحرب حتى 2030 قد يدفع الفقر المدقع إلى أكثر من 60 في المئة. وفي المقابل، أظهر سيناريو يجمع بين السلام والإصلاح والاستثمار إمكانية وصول الناتج إلى 58.2 مليار دولار بحلول 2043، مع متوسط نمو يقارب 5 في المئة. الرسالة الاقتصادية هنا واضحة: السلام وحده لا يصنع الازدهار، لكنه يفتح الباب الذي لا يمكن الدخول إلى التعافي بدونه.

لكن هناك جانباً سلبياً ومخاطر لا ينبغي تجاهلها. أخطرها أن تتحول «تهيئة الحوار» إلى بديل عن إنهاء الحرب بدلاً من أن تكون جسراً إليه. فالاقتصاد لا يستجيب للمؤتمرات الصحفية بقدر ما يستجيب لما يحدث على الأرض. وفي اليوم نفسه الذي أعلنت فيه اللجنة بدء مشاوراتها، كانت التقارير تتحدث عن استمرار القتال ونزوح نحو 200 ألف شخص من مناطق كردفان خلال الأشهر الأخيرة. ما دام المنتج يخشى على مصنعه، والمزارع على محصوله، والتاجر على شاحنته، فلن تتحول اللغة السياسية الجميلة وحدها إلى استثمار.

المخاطرة الثانية هي أزمة الثقة في اللجنة نفسها. فبينما تقول اللجنة إنها شكلت نفسها وإنها مستقلة عن الحكومة، سبق تشكيلها إعلان رئيس مجلس السيادة دعمه لحوار سوداني وتقديم ضمانات للمشاركين، كما رفضت قوى سياسية معارضة المبادرة وطرحت مساراً بديلاً يربط العملية السياسية بالمسارات الإنسانية والأمنية ووقف إطلاق النار. ومن منظور اقتصادي، هذا الخلاف ليس تفصيلاً سياسياً، لأن أي اتفاق لا يحظى بقبول واسع ستكون «مدة صلاحيته الاقتصادية» قصيرة. المستثمر لا يسأل فقط هل تم توقيع اتفاق، بل يسأل: هل سيصمد الاتفاق؟

وهناك خطر ثالث، وهو أن يتحول الحوار إلى سوق جديد للمحاصصة. فإذا انتهى الحوار إلى توزيع الوزارات والمؤسسات والشركات والموارد العامة بين القوى السياسية، بدلاً من الاتفاق على كيفية بناء الدولة وإدارة المال العام، فإن النتيجة قد تكون زيادة الإنفاق الحكومي، وتضخم الجهاز الإداري، وخلق وظائف سياسية جديدة، وإعادة إنتاج الاقتصاد الريعي الذي عاش السودان جزءاً كبيراً من أزماته بسببه. والسودان اليوم لا يمتلك رفاهية إنشاء دولة أكثر تكلفة؛ فالإيرادات العامة نفسها انهارت إلى أقل من نصف نسبتها قبل الحرب تقريباً. لذلك فإن النجاح الاقتصادي للحوار لا يقاس بعدد القوى التي تحصل على مقاعد، وإنما بقدرته على إنتاج قواعد تمنع القوى السياسية من التعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة.

كما توجد مخاطرة مرتبطة بارتفاع التوقعات. إذا بدأ المواطن يسمع عن الحوار والسلام وإعادة الإعمار ثم لم تتغير حياته، ولم تتحسن الكهرباء والمياه والنقل والأسعار وفرص العمل، فإن خيبة الأمل قد تكون أكبر من حالة عدم التوقع أصلاً. ولذلك يجب ألا تنتهي أي عملية سياسية إلى وثيقة دستورية فقط، بل إلى برنامج اقتصادي انتقالي واضح: كيف يعاد تشغيل الإنتاج؟ كيف تتم إعادة الإعمار؟ من يدفع تكلفتها؟ كيف تعاد البنوك إلى العمل؟ كيف تضبط الكتلة النقدية وسعر الصرف؟ كيف تعاد الشركات والمصانع؟ ما وضع الذهب والصادرات؟ وكيف توزع موارد الدولة بين المركز والولايات؟

من هنا ربما يكون النقص الأكبر الذي يجب تداركه مبكراً هو ألا يصبح الاقتصاد مجرد فصل يُضاف في نهاية الحوار بعد الاتفاق على السياسة. الاقتصاد نفسه يجب أن يكون في قلب التهيئة، لأن كثيراً من الصراعات السودانية لها جذور في توزيع الموارد والتنمية والأرض والسلطة الاقتصادية بين المركز والأقاليم. وإذا كانت اللجنة تتحدث عن الاستماع إلى المواطنين المنتجين وفعاليات الريف والمدن، كما أعلن أعضاؤها، فهذه فرصة لإدخال المزارعين والرعاة وأصحاب المصانع والتجار والمصارف والاقتصاديين والمغتربين والشباب وأصحاب المشروعات الصغيرة إلى النقاش، لا بوصفهم جمهوراً للعملية السياسية وإنما أصحاب مصلحة في الدولة التي ستخرج منها.

لذلك فإن القيمة الاقتصادية الحقيقية للجنة تهيئة الحوار لا توجد في اللجنة نفسها، وإنما في الطريق الذي يمكن أن تفتحه. إذا نجحت في بناء حد أدنى من الثقة، ووسعت المشاركة، ومنعت الإقصاء، وربطت السياسة بوقف الحرب وبناء المؤسسات وبرنامج اقتصادي واقعي، فقد تكون واحدة من أرخص الاستثمارات التي يمكن أن يقدم عليها السودان، لأن تكلفة الحوار مهما بلغت تظل متناهية الصغر مقارنة بتكلفة يوم إضافي من الحرب. أما إذا تحولت إلى منصة أخرى لتبادل الخطب، أو وسيلة لإعادة توزيع السلطة بين النخب، أو محاولة لإنتاج شرعية سياسية دون اتفاق واسع، فإن أثرها الاقتصادي لن يكون صفراً فقط، بل قد يكون سالباً لأنها ستستهلك ما تبقى من رصيد الثقة وتزيد حالة الانتظار وعدم اليقين.

وفي النهاية، الاقتصاد السوداني لا يحتاج إلى لجنة تقول له كيف يزرع أو يصنع أو يصدر بقدر حاجته إلى دولة يستطيع أن يتوقع سلوكها. هذه ربما هي الترجمة الاقتصادية الأبسط لفكرة تهيئة الحوار: أن يصبح غد السودان أقل غموضاً من يومه. فإذا استطاعت اللجنة أن تفعل ذلك، ولو بدرجة محدودة، تكون قد بدأت في معالجة واحد من أخطر أمراض الاقتصاد السوداني قبل أن تصدر وزارة المالية قراراً واحداً. أما إذا بقي المستقبل مفتوحاً على الحرب والانقسام وتعدد الشرعيات، فلن تستطيع أفضل السياسات الاقتصادية أن تعالج اقتصاداً لا يعرف أصحابه في أي دولة سيستيقظون غداً.

مقالات ذات صلة