يُعد الزميل الطاهر ساتي من أبرز الصحفيين السودانيين في تناول الملفات المسكوت عنها، وكان آخرها مقاله «إصلاح الراتب»، الذي تناول أرقاماً ومخصصات منسوبة إلى محافظ بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني.
إن الحديث عن راتب شهري يبلغ 44 مليون جنيه، إلى جانب بدلات ومخصصات أخرى، يأتي في وقت يواجه فيه السودان حرباً مدمرة، وتدهوراً حاداً في قيمة عملته، وارتفاعاً متواصلاً في أسعار الغذاء والدواء، فيما يعجز المواطن عن توفير أبسط احتياجاته الأساسية.
لا خلاف على أن يتقاضى محافظ البنك المركزي راتباً يتناسب مع حساسية منصبه ومسؤولياته، غير أن مقارنته برواتب نظرائه في دول أكثر استقراراً وتقدماً تتجاهل الفوارق الكبيرة في مستويات التنمية والبنية التحتية والإنتاج ودخل الفرد. فليس من المنطقي مقارنة اقتصاد مستقر باقتصاد أنهكته الحرب؛ إذ تبدو المقارنة، في هذه الحالة، مختلة من أساسها.
والأكثر إيلاماً أن تُناقش هذه المخصصات في وقت لا يكفي فيه راتب المعلم لإبقائه في فصله. وقد كشفت وفاة أحد المعلمين في ولاية نهر النيل، بعد تركه مهنة التدريس واتجاهه إلى تعدين الذهب بحثاً عن دخل أفضل، جانباً مؤلماً من حجم المأساة؛ إذ انهارت عليه بئر للتعدين، فأودت بحياته.
ماذا فعلنا بالمعلم حتى اضطر إلى ترك السبورة والتوجه إلى آبار الذهب؟ إن قصته ليست حالة فردية، بل تمثل إنذاراً خطيراً بشأن أوضاع التعليم والعاملين في الدولة. فالمعلم الذي يُفترض أن يسهم في صناعة مستقبل السودان، أصبح يبحث عن مستقبله في بئر للذهب.
وعليه، فإن القضية تتجاوز راتب محافظ البنك المركزي لتلامس قضايا العدالة الاجتماعية وترتيب الأولويات الوطنية. ومن حق المواطنين أن يتساءلوا عن أداء البنك المركزي: فإذا تراجعت قيمة الجنيه، وارتفعت الأسعار، وقفز سعر الدولار، وتراجعت القدرة الشرائية، فأين انعكاسات الإصلاح على الاقتصاد والمواطن؟
نحن لا نحاكم شخصاً بعينه، بل نطالب بالشفافية الكاملة بشأن الرواتب والمخصصات، وبمعرفة آليات تحديدها والجهات التي تعتمدها والمعايير التي تستند إليها، فالمال العام ملك للشعب. وإذا كانت هناك إصلاحات هيكلية داخل البنك المركزي، فمن حق المواطنين أن يسألوا: هل انعكست هذه الإصلاحات على الاقتصاد، أم اقتصرت على راتب المسؤول؟
المواطن لا تعنيه كثيراً المقارنات الدولية لرواتب المحافظين، بقدر ما يريد أن يعرف أسباب تآكل راتبه، وارتفاع الأسعار، وتحول العلاج والتعليم إلى أعباء تفوق قدرته. وفي ظل الحرب والنزوح، ينبغي أن تنصب الأولوية على إعادة بناء الاقتصاد، ودعم الإنتاج، وحماية العملة، وتحسين أجور العاملين، واستعادة ثقة المواطن.
ولا يمكن مطالبة المعلم والطبيب والموظف والجندي بالصبر، بينما لا يبدو أن هذا الصبر قاعدة تنطبق على الجميع. فالسودان لا يحتاج إلى إصلاح الرواتب فحسب، بل إلى إصلاح مفهوم العدالة في توزيعها. وإذا كان منصب المحافظ يستحق راتباً مرتفعاً، فينبغي أن يكون ذلك وفق معايير واضحة ومعلنة، بالتوازي مع تحسين أجور بقية العاملين.
هذه الرسالة ليست موجهة ضد المحافظ أو أي مسؤول، بل ضد اتساع الفجوة بين من يعيش بعيداً عن تداعيات الأزمة ومن يواجهها يومياً، رغم أن كليهما يتقاضيان من المال العام. فالمواطن لا يرفض أن يحصل المسؤول على راتب محترم، لكنه يرفض أن يُعامل راتب المسؤول باعتباره حقاً مقدساً، بينما يُنظر إلى راتب المواطن وكأنه مِنّة.
الإصلاح الحقيقي هو الذي ينعكس على حياة المواطن، ويحمي قيمة راتبه، ويُبقي المعلم في مدرسته، والطبيب في وطنه، ويوفر حياة كريمة للعامل والموظف والجندي.




