لم تعد حرب السودان نزاعاً داخلياً مغلقاً. فالسلاح يتدفق، والتمويل يعبر الحدود، والمصالح الإقليمية والدولية تتقاطع فوق أرض منهكة. والنتيجة ليست حسماً سريعاً، بل إطالة أمد القتال وتعقيد فرص السلام.
لكن الخلط الأخطر في هذا المشهد هو الخلط بين الدولة والقوة المسلحة التي تنازعها السيادة.
فالجيش مؤسسة رسمية للدولة، ولا تعفيه صفته هذه من المحاسبة عن أي انتهاكات. كما أن رفض سياسات الحكومة أو انتقاد البرهان لا يمنح أي طرف حق إقامة سلطة موازية، ولا يبرر تحويل السيطرة العسكرية إلى واقع دائم يقسم السودان.
ما المطلوب الآن؟
ثلاثة أمور لا تحتمل الالتباس:
أولاً: وقف تغذية الحرب.
لا معنى لأي وساطة بينما تستمر شبكات السلاح والمرتزقة والتمويل في إمداد أطراف النزاع. تجفيف هذه الشبكات شرط لأي هدنة حقيقية، وليس بنداً مؤجلاً إلى ما بعدها.
ثانياً: حماية وحدة السودان.
لا اعتراف بسلطات موازية، ولا تثبيت لمناطق السيطرة بقوة السلاح. فأي تسوية تكرّس انقسام الأرض قد تزرع حرباً جديدة، ولو سُمّيت سلاماً مؤقتاً.
ثالثاً: دعم حل سوداني، لا وصاية خارجية.
يمكن للدول أن تضغط وتتوسط وتوفر الضمانات، لكن شكل الحكم وانتقال السلطة والانتخابات تبقى قرارات سودانية. أما الخارج، إذا تحول من وسيط إلى طرف في الحرب أو إلى داعم لمشروع يقوض وحدة السودان، فإنه لا يعود جزءاً من الحل، بل يصبح جزءاً من المشكلة.
وماذا عن الدور العسكري الخارجي؟
إذا اقتضت الظروف دوراً عسكرياً دولياً أو إقليمياً، فيجب أن يكون محدداً بوضوح: حماية المدنيين، وتأمين المساعدات، ومراقبة وقف إطلاق النار والحدود، لا الانحياز إلى أحد طرفي النزاع ولا هندسة خريطة نفوذ جديدة.
فالمسألة لم تعد: من ينتصر في الميدان؟
بل: ماذا سيبقى من السودان بعد النصر؟
يمكن تغيير الحكومات، ومحاسبة القادة، وإصلاح المؤسسة العسكرية، والانتقال إلى حكم مدني. أما تفتيت الدولة وتحويلها إلى مناطق نفوذ، فليس ثمناً مقبولاً لأي إصلاح.
يمكن أن نختلف على البرهان، وننتقد الجيش، ونطالب بالديمقراطية والمحاسبة. لكن ذلك كله لا يستقيم إلا داخل سودان واحد: سيادة واحدة، وأرض واحدة، ومستقبل واحد.
د.فرج وافي الخنفري
علم النفس الجنائي




