فبينما تصاعدت الدعوات المستحقة للمؤتمر الوطني و الحركة الإسلامية بإجراء مراجعة شاملة و نقد ذاتي لتجربتهم في السلطة – و هو مطلب جوهري لا مناص منه – تناست القوى السياسية و الحركات المسلحة و الكيانات المدنية و العسكرية الأخرى ذاتها و كأنها سقطت من السماء مبرأة من كل خطيئة أو كأن مسيرتها الممتدة منذ التأسيس و حتى لحظة الإنهيار الراهنة كانت سجلاً حافلاً بالنزاهة و الحكمة .. إن تشريح الأزمة بجرأة و عمق يفرض الإقرار بحقيقة صادمة .. جميع الكيانات دون إستثناء – عقائدية كانت أم تقليدية ، مدنية أم مسلحة – شريكة بشكل أو بآخر في إيصال السودان إلى قاع هذا الخراب و مطالبتها جميعاً بمراجعة مسيرتها و تجربتها أوجب و أعجل من أي وقت مضى .
لقد مارست الأحزاب التاريخية و التقليدية إرتهاناً لعقلية الطائفة و البركة دون مشروع لبناء الدولة و وقعت القوى العقائدية و اليسارية في فخ الإقصاء و إستدعاء العسكر للإنقلاب على الخصوم ثم البكاء على أطلال الديمقراطية بينما إستبدلت القوى المدنية الحديثة التفكير الوطني الإستراتيجي بالإستغراق في “صالونات الخارج” و تسويق صفقات هشة كـ “الإتفاق الإطاري” دون حساب لمخاطر شق الشارع و إشعال الحرب .
و على الضفة الأخرى إنزلقت الحركات المسلحة من قضايا التهميش العادلة إلى “تجارة الحرب” و المحاصصات و السلطة و التكسب من دماء الضحايا و بناء إمبراطوريات المال و الثروة ليتحول الفاعل السياسي – مدنياً كان أم عسكرياً – إلى بيدق في محاور إقليمية يفرط في السيادة الوطنية و يستمد تصوراته من سفارات الخارج التي (يحومها سفارة سفارة) .
من هنا .. تتأسس المراجعة الشاملة اليوم على مرتكزات صارمة لا تقبل المساومة في مقدمتها الإعتراف الأخلاقي الصريح بالمسؤولية عن الدماء و الخراب .. و كذلك تفكيك بنية “الزعيم الفرد” و الشمولية داخل الأحزاب و فك الارتباط بين العمل السياسي و السلاح لحظر أي كيان يجمع بين الحزب و الذراع العسكري و التأسيس لـ “الاحتكار الحصري للسلاح” بيد جيش وطني محترف و واحد فضلاً عن تفكيك الإمبراطوريات المالية الحزبية و العسكرية .. إن هذه المراجعة ليست ترفاً فكرياً أو تصفية حسابات بل هي شرط وجودي لإعادة تأسيس الدولة ذلك أن بناء سودان ما بعد الحرب لن يتم ببدائل مغشوشة أو بقيادات أثبتت عقمها و أن التغاضي عن نقد هذه التجارب يعني فتح الباب أمام دكتاتورية جديدة أو تسوية شائهة أخرى تضع الحرب في فترة إستراحة لتنفجر غداً بصورة أشد و أعنف .




