*رؤية استشرافية: من تجفيف عتاد التطرف إلى بناء المناعة الفكرية..د. فرج وافي الخنفري*

لم تعد خطورة الجماعات المتطرفة تقتصر على الخطاب الراديكالي أو استقطاب الأفراد، بل امتدت إلى توظيف الموارد والأدوات والتقنيات بما يخدم أهدافها. ويشمل ذلك استغلال بعض الأصول والمركبات ذات الاستخدامات العسكرية أو المزدوجة، الأمر الذي يفرض تطوير آليات الرقابة والتنظيم وتتبع انتقال هذه الأصول إلى بيئات التوتر، بالتكامل بين الخبرات الأمنية والهندسية والتشريعية.
ويتطلب الحد من هذه المخاطر تعزيز ما يمكن تسميته بـ**«الدبلوماسية الأمنية الفنية»**، من خلال التعاون الإقليمي والدولي وتبادل المعلومات ذات الصلة، إلى جانب تطوير أطر أكثر صرامة تحول دون تحويل الأصول المدنية إلى أدوات للاستخدام العدواني خارج الأطر النظامية.
غير أن الرقابة المادية والميدانية لا تكتمل من دون استباق التحولات الفكرية المحتملة. وهو ما عكسه، بحسب ما طرحه الكاتب، مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026»، الذي نظمته وزارة الداخلية بالرياض خلال الفترة من 6 إلى 8 سبتمبر 2026، تحت شعار «تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء»، من خلال الربط بين الأمن والتنمية واستشراف المستقبل والذكاء الاصطناعي والأمن الفكري والجاهزية الوطنية.
وتؤكد هذه الرؤية أن حماية المستقبل لا تقوم على مواجهة الخطر بعد ظهوره فحسب، وإنما تبدأ بقراءة مؤشراته المبكرة. فتماسك المجتمع وصلابته يشكلان قاعدة مهمة للمناعة الفكرية، لكن المحافظة على هذه المناعة تتطلب استمرار العمل الوقائي والاستباقي.
ورغم تراجع خطر الإرهاب التقليدي والهجمات الحوثية، وفق التقديرات الأمنية التي تستند إليها هذه الرؤية، فإن انحسار الخطر المباشر لا يعني انتهاء الحاجة إلى استشراف تحولاته. فقد تظهر التحديات المقبلة عبر مسارات أقل وضوحاً، من أبرزها:
أولاً: الأفكار غير العقلانية والمحرضة على الانقسام
وهي الأفكار التي قد تخلخل التفكير المتزن، وتشوه المفاهيم، وتوفر بيئة قابلة للتطرف، بصرف النظر عن مصدرها أو السياق الذي تظهر فيه.
ثانياً: الاتجاهات التعصبية والشحن الفئوي والطائفي
فالاختلاف حين يتحول إلى انقسام، والتعصب حين يتحول إلى هوية تقوم على المواجهة، يمكن أن يساهما في تغذية العدوانية وإضعاف الروابط الاجتماعية.
ومن هنا، فإن الأمن الفكري لا ينبغي أن ينتظر اكتمال الظاهرة المتطرفة، بل يبدأ برصد المؤشرات الصغيرة التي تسبقها وقراءتها بصورة صحيحة؛ فالمشكلة ليست دائماً في الظاهرة عندما تصبح واضحة، وإنما في اللحظة التي تبدأ فيها ملامحها الأولى بالتشكل ولا تجد من ينتبه إليها.
وامتد هذا الطرح خلال الشهرين والنصف الماضيين إلى مجموعة من المقالات والنتاجات التي تناولت جوانب مختلفة من هذه الرؤية، من أبرزها:
«تجفيف منابع التهديد الجيوسياسي»، وتناول الموازنة بين المواجهة الفكرية والأبعاد الجيوسياسية للتطرف.
«المرونة الأمنية والجاهزية المستقبلية»، وتناول القراءات الأمنية والاستراتيجية للتحولات الإقليمية وإدارة أزمات المستقبل.
«التماسك الاجتماعي كمصد فكري»، وركز على المناعة الذاتية للمجتمع والوقاية من الاختراق الفكري.
«وسائط وتغريدات التوعية الوطنية»، وهي نتاجات رقمية ضمن وسمي #الأمن_الفكري و**#استشراف_المستقبل**، تناولت نقد الأفكار المحرضة على الانقسام ونبذ التعصب والشحن الفئوي.
وتبرز هنا قيمة الخبرة الأمنية التي لا تكتفي برصد الخصم، وإنما تسعى إلى فهم منظومته الفكرية وأهدافه؛ أي معرفة كيفية تفكيره دون تبني أفكاره، وفهم أهدافه دون الانخراط فيها، بما يعزز القدرة على استباق تحركاته.
ومن هذه الزاوية تبرز أهمية الخبرات الأمنية المتراكمة، وما تختزنه ذاكرة الدولة من تجارب لرجال عملوا لعقود في قراءة المخاطر وحماية الأمن الوطني، ومن بينهم الفريق أول عبدالعزيز الهويريني، الذي يقدمه الكاتب نموذجاً للخبرة الأمنية القائمة على فهم الخصم وتحويل المعرفة إلى قدرة على الاستباق.
فالمحاورة تظل ممكنة مع من يمكن محاورته، بينما قد تتطلب مواجهة التهديدات التي لا تستجيب للحوار أدوات أخرى تضمن حماية الأمن والاستقرار.
إن الجمع بين ذاكرة الوطن، وخبرة الميدان، وصلابة المجتمع، والتقنية الحديثة، واستشراف المستقبل يمنح الأمن الوطني قدرة أكبر على التعامل مع التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة لا تتطلب الخوف من المستقبل بقدر ما تتطلب فهمه، ولا تحتاج إلى تضخيم كل مؤشر، بقدر ما تحتاج إلى القدرة على التمييز بين الاختلاف الطبيعي والمسارات التي قد تقود إلى التعصب والانقسام والعدوانية.
لقد كانت مواجهة الإرهاب في مراحل سابقة مواجهة لتهديد أصبح واضحاً، أما الاستشراف الحقيقي فيبدأ من سؤال مختلف:
ماذا يمكن أن يكون شكل التهديد عندما تتغير أدواته، وتتبدل بيئته، وتتحول بداياته من العنف الظاهر إلى أفكار تتراكم بمرور الوقت؟
وهنا تصبح المناعة الفكرية امتداداً طبيعياً للأمن الوطني، ويصبح التاريخ أكثر من مجرد ذاكرة للماضي؛ إذ يمكن أن يتحول إلى أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
وفي ختام هذه التجربة، يسجل الكاتب أسفه لعدم تمكنه من حضور مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026»، الذي جاءت موضوعاته قريبة من عدد من الأسئلة التي حاول مقاربتها خلال الفترة الماضية.
كما يتقدم إلى القراء والمهتمين والمختصين باعتذاره عما قد يكون ورد في بعض كتاباته السابقة من ملاحظات لغوية أو قصور في الصياغة أو عدم دقة في بعض المصطلحات، مؤكداً أن تلك الكتابات كانت اجتهاداً وطنياً صادقاً، وأن غايتها الإسهام في خدمة أمن الوطن واستقراره.
ويظل جوهر هذه التجربة أن الأمن لا يبدأ عند وقوع الخطر، وإنما يبدأ من القدرة على قراءة مقدماته، وأن قوة المجتمع لا تقاس فقط بقدرته على مواجهة ما وقع، وإنما أيضاً بقدرته على الحد من احتمالات وقوعه.
فالمناعة الفكرية ليست بديلاً عن القوة الأمنية، بل امتداد لها، والاستشراف ليس خوفاً من المستقبل، وإنما استعداد واعٍ لفهمه.
د. فرج وافي الخنفري
حساب منصة X: @dr_faraj_

مقالات ذات صلة