*الممشى العريض خالد أبو شيبة وداعاً عمر النمير.. رحلت مبكراً وتركت خلفك حزنٱ كبيرٱ*

 

لم ألتقِ في حياتي بعمر النمير ولم تجمعني به جلسة أو معرفة شخصية.. أعرفه كما يعرفه كثيرون رئيساً لنادي المريخ ويعرفني ربما كاتباً رياضياً لكنني رغم أن المسافة بيننا لم تسمح لي بمعرفته عن قرب كنت أعرف شيئاً أعمق من ذلك بكثير… كنت أعرف أصل الرجل ومنبعه.
عمر النمير ابن الكوارتة… تلك الشجرة الوارفة الظلال التي لم تكن يوماً شجرةً لنفسها بل ظلاً يأوي إليه الناس ويداً تمتد للملهوف وباباً لا يُغلق في وجه محتاج.. عرفت قيمة عمر الإنسانية من الأخبار التي كانت تصلنا عنه ومن الحكايات التي يرويها الناس عن عطائه في زمن عزّ فيه العطاء. كان واحداً من أولئك الذين جعلوا من المال وسيلةً لإغاثة الناس وفي سنوات الحرب اللعينة حين أغلقت الأبواب وتقطعت السبل ظل اسمه حاضراً في التكايا وبين المحتاجين وفي كل مكان كان فيه إنسان يبحث عن يد تمتد إليه.
كان في ذلك شبيهاً بالسلطان حسن برقو ملك ملوك التكايا ممن اختاروا أن يكونوا إلى جوار الناس في أحلك أيام الوطن. وحين تولى رئاسة نادي المريخ لم يدخل الرجل النادي باحثاً عن مجد شخصي أو وجاهة اجتماعية. سعى واجتهد وأنفق وفعل كل ما يستطيع من أجل أن يرفع راية الكيان الذي أحبه. أراد أن يصنع مشروعاً للمريخ وأن يمنحه ما يستحقه من استقرار وقوة.
لكن وسطنا الرياضي بكل ما فيه من مزاجية وانطباعية وترصد وحسابات صغيرة لم يمنح الرجل الفرصة الكافية. تعثر المشروع وفشل ما كان يمكن أن ينجح وكان الفشل في تقديري بفعل عوامل وأشخاص أكثر مما كان بسبب الرجل نفسه.
حين شعر عمر بأن الطريق لم يعد كما أراد اعتذر عن المواصلة لكنه لم يعتذر عن المريخ قال إنه سيبقى داعماً لناديه ولم يتخل عن الكيان الذي أحبه. ثم عاد إلى رحلته الأهم… رحلة الإنسان مع الإنسان رحلة العطاء التي لم تكن مرتبطة بمنصب ولا بكرسي ولا بموقع. وهنا ربما كان عمر النمير أعظم مما كان في رئاسة المريخ.
بالأمس جاء الخبر… رحل عمر النمير.. والله ما عرفت لماذا شعرت بكل هذا الحزن وأنا الذي لم أجلس إلى الرجل يوماً ولم أعرفه معرفة شخصية لكنني حزنت كما لو أنني فقدت صديقاً قديماً. حزنت على عمره الذي انطفأ قبل أوانه.. حزنت على شاب كان يمكن أن يمنح هذا الوطن الكثير.. حزنت لأن الرجل الذي لم أعرفه عن قرب ترك في نفسي كل هذا الأثر.. وحزنت أكثر لحزن الناس عليه فالحزن على الرجل يعرفه الناس من عطائه لا من منصبه ومن أثره لا من صورته.
حزنت لأن السودان فقد واحداً من خياره وهذه هي المأساة التي توجع القلب أكثر… أن يكون نصيب هذا الوطن المكلوم أن يرحل الأخيار واحداً بعد الآخر بينما يبقى في المشهد كثير من التافهين والساقطين وأراذل القوم.. يرحل الذين كانوا يطعمون الناس ويرحل الذين كانوا يسترون الملهوف… ويرحل الذين كانوا يفتحون أبوابهم حين يغلق الآخرون أبوابهم… ويبقى من لا يستحق حتى أن يحمل اسم هذا الوطن.
عمر النمير… أنت لست غالياً على ربك فكلنا إلى الله راجعون لكن رحيلك قاسي علينا قاسي حد أن يدمي القلب قاسي حد أن يقطع نياط الفؤاد قاسي حد أن يهز ثبات الجبال الراسيات.
ولأننا لم نعرفك عن قرب فإننا نشهد لك بما عرفناك به من أثر الناس فيك وما عرفناه عنك من أبواب الخير التي طرقتها ومن موائد الإطعام التي أقمتها ومن الملهوفين الذين أنقذتهم ومن المحتاجين الذين امتدت إليهم يدك. ونحن شهداء الله في الأرض.. نشهد أنك كنت خياراً من خيار.. نشهد أنك جعلت من النعمة باباً للرحمة. نشهد أنك كنت تقيم التكايا حين كان الناس يبحثون عمن يقيم لهم جداراً يسندهم. نشهد أنك كنت إنساناً ترك أثراً في حياة أناس ربما لم يعرف أسماءهم ولن يعرف كم كان عطاؤه سبباً في استمرار حياتهم.
نم قرير العين يا عمر.. لقد تركت خلفك حزناً كبيراً لكنه حزن لا يصنعه إلا الكبار.
وداعاً عمر النمير…
وداعاً يا ابن الكوارتة يا ابن البيت الذي عُرف بالكرم ويا واحداً من أرقام هذه الأسرة الكبيرة التي خسرت اليوم رقماً لا يُعوّض.. وداعاً يا مريخابياً رحل قبل أن يرى ما كان يحلم به لمريخه.. وداعاً يا سودانياً رحل والوطن في أشد الحاجة إلى أمثاله.
إلى جناتٍ عرضها السماوات والأرض، بإذن الله.
اللهم اغفر لعمر النمير وارحمه وأكرم نزله ووسع مدخله واجعل ما قدمه للناس في الدنيا شاهداً له يوم يلقاك.
العزاء لرفاقي في المريخ لهذا الكيان المفجوع المكلوم الذي توشح بالسواد حزناً على رحيل واحدٱ من أنبل واجمل وانقى أبنائه.
العزاء لأسرة الكوارتة التي فقدت واحداً من أرقامها الكبيرة.. العزاء لأسرته وأهله وأصدقائه ومحبيه.. والعزاء للأسرة الرياضية السودانية قاطبة.. رحم الله عمر النمير… رحم الله رجلاً عرفه الناس من ظله قبل أن يعرفوه من اسمه.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة