:: لم يكن بيننا سابق معرفة؛ ولذلك عندما اتصل بي أستاذنا الفاضل أحمد عبد الوهاب ليخبرني بأن الأخ عمر النمير يريدني لأمر ما، شكرته واحترت قليلاً وترددت، ولكن أحمد كان حريصاً، وهو من الذين لا يُرد لهم طلب؛ فقد تعلمت على يده أبجديات المهنة عندما كان مديراً للتحرير وكنت محرراً يتلمس الخطى، فكان “أبو مروان” بعد الله خير معين.
:: ولذلك عندما عاود “أبو مروان” الاتصال وافقت، وترافقنا إلى مكتب النمير، وهناك وجدنا الأخ عمر بابكر..بعد الترحاب، تحدث النمير في الاقتصاد وقضايا الاستثمار حديث العارفين، ثم طرح فكرة مشروع إعلامي يبدأ بصحيفة رقمية وينتهي بفضائية، ثم ختم حديثه بما دعاني إليه : (والله فتشت وسطكم ولقيتك أنسب زول لإدارة المشروع، يلا قول خير ونبدأ على بركة الله)
:: لقد تعودنا على هذه العروض، والمعتاد أن نعتذر أو نطلب مهلة للتفكير، ولكن النمير كان على عجلة من أمر المشروع، وطلب دراسة جدوى وتكاليف لصحيفة رقمية، ثم حدد موعداً للتسليم..وللمزيد من الحصار، خاطب “أبو مروان” وصديقه الوفي عمر بابكر بالمتابعة، فشكرته على ثقته ووعدته بتسليم الدراسة في الموعد، ثم النظر في أمر الإدارة لاحقاً.
:: بالتنسيق مع “أبو مروان” وعمر، أعددت الدراسة وأرسلتها له، ثم اعتذرت.. قدم عرضاً مغرياً، واتصل أكثر من مرة، وكذلك الصديقان “أبو مروان” وعمر بابكر، ولكنني كنت أعتذر، فسألني غاضباً في إحدى المكالمات: (ليه ما عايز تشتغل معاي؟ سمعت عني شنو؟)، فطلبت لقاءه، فالتقينا، وصارحته بأن المناخ الآن، سياسياً واقتصادياً، غير ملائم لمثل هذه المشاريع.
:: وأسهبت في الشرح و ذكر نماذج لمؤسسات إعلامية يصرف عليها ملاكها بلا أي جدوى، غير إعاشة العاملين فيها أو لزوم الوجاهة الاجتماعية، ومن الأفضل تأجيل المشروع لحين التعافي السياسي والاقتصادي..اقتصادياً لن يربح المشروع، بل يخسر الكثير لتلتزم بحقوق العاملين وتكاليف التشغيل، وليس عدلاً أن نكتفي بالأجور في عمل خاسر.
:: أما سياسياً، فليس هناك منطقة وسطى تُسمى بالحياد لتقف عليها صحيفتك وفضائيتك في ظل معركة يخوضها الشعب ضد عدوان خارجي بغلاف سوداني؛ فإما أن تكون مع شعبك أو ضده.. ونجحت بفضل الله، ليس في قبوله لاعتذاري فحسب، بل في تأجيل المشروع الطموح، و نفذ أمر الله، وإنا لله وإليه راجعون، فأكرمه يا الله برحمتك ومغفرتك.




