في كل دول العالم التي حدثت فيها ثورات شعبية او تحولات رادكالية و إنقلابات عسكرية أدت إلى تغيير أنظمة الحكم القائمة كان المسؤول الأول في الدولة هو من يتحمل وزر هذا التحول وما يُلازمه من السخط الجماهير و الانفجار الشعبي بحيث يصبح كبش فداء التغيير السياسي الذي يُطيح بالنظام القائم و كان المسؤول السياسي الذي يجلس في أعلى قمة السلطة سواء كان رئيس الجمهورية او الملك او الامبرطور او الشاه او الرئيس الوزراء كان دائماً هو الضحية ولقد حدث ذلك مراراً وتكرارا لروساء جمهوريات سابقين ، في السودان كل من جعفر نميري ابراهيم عبود ، الصادق المهدي و عمر البشير و في مصر كل حسني مبارك د. محمد مرسي في اليمن على عبدالله صالح و في الصومال محمد سياد بري و في تونس الحبيب بُرقيبا و بن علي و في العراق صدام حسين و في تشاد طمبل باي وحسين هبري و في ليبيا الملك السنوسي و معمر القزافي و في إثيوبيا الامبراطور هيلاسلاسي و منقستو هالي مريم و في إيران الشاه محمد رضا بهلوي أما التغيير الذي يحدث عقب الانقلابات العسكرية لاسيما في معظم دول أفريقيا لقد كان الشعب و القادة الانقلابيون الجدد يلقون بالآئمة والسخط على القادة الانقلابيين الذين تم الإطاحة بهم.
واليوم في السودان تتسارع خطى التدهور المريع لسعر صرف الجنيه السوداني في مقابل العملات الأجنبية بشكل سريع و مخيف وبدي جلياً انه قد تخطي الخطوط حج الحمراء يقتفي أثر الليرة في لبنان و سوريا والشلن الصومالي في السقوط الداوي السحيق بسبب فشل زريع لكل السياسات غير الحاسمة والمعالجات القاصرة و ضعف و عجز الآليات الحكومية في كبح جماح هذا التردي النقدي والمالي المبين والذي تسبب في غلاء فاحش و مشهود في حياة و معيشة المواطنين لا يحتاج إلى شاهد او دليل و قد فاغمت الأوضاع و زادتها غتامة الفوضى التي باتت تسيطر على الموقف في سوق العملات الأجنبية مقابل التراخي و التهاون غير المبرر في حسم هذه السلوكيات الضارة وكثير من الممارسات بالغة الفساد والخطورة و التي أناخت رواحلها في مختلف الأنشطة الاقتصادية ذات الصلة لاسيما تهريب الذهب و بعض سلع الصادر ذات الأهمية القصوى ثم التمادي في التهرب من سداد حصائل الصادر بدون اي ملاحقة قانونية رادعة حتى اضحت الأوضاع على مقربة من انهيار إقتصادي وشيك ما لم يتم تدارك الموقف بما يلزم من عزم وحسم.
بالنظر إلى أحوال الناس الحياتية والمعيشة اليومية الرآهنة لا يجد أحد من الناس صعوبة او عثر حتى يتعرف على حجم المعاناة المتزايدة و الضنك المبين الذي يتوسد مضاجع المواطنين و يحدث ذلك في الوقت الذي تآكلت فيه أجور و مرتبات و كآفة مصادر الدخل لدي الغالبية الساحقة من المواطنين لاسيما العاملين لدي الدولة في القطاع العام او حتى القطاع الخاص ولا ادري كيف حال طائفة عريضة منهم كانت قد خسرت وظائفها و اخري فقدت مصادر دخلها بالتمام والكمال لاسيما من كانوا يسترزقون في المناطق الصناعية والأسواق التي لم تنتعش بعد كونها تعاني من دمار بالغ وان خسارات مؤلمة و اضرار جسيمة طالت مصادر دخلها.
في هذه الأجوال العصيبة والاوضاع بالغة القسوة وقد أحكمت قبضتها على حياة الناس و معيشتها حيث يفترش المواطنون الصبر والسلوان و يلتحفون الحيرة والعدم لكن أملهم في فرج الله و فتحه معقود على أني لست على يقين من أن سياسات الدولة و إجراءات الحكومة المتعددة التي اتخذتها لمعالجة هذه الأزمة عبر لجان َمختلفة بما فيها الإجتماعات الخاصة التي إنعقدت بشأنها لدي مجلس رأس الدولة والوزراء منذ أن بدت نُزر هذه الأزمة الاقتصادية متزامنة مع إنطلاق أعمال هذه الحكومة وحتى يومنا هذا من أنها فاعلة في الإحاطة بها و من ثم لم تكون ولن تكون قادرة على ابطاء وتيرتها و عنفوانها المدمر على حياة الناس و معاشهم دعك من قدرتها على إستئصالها لأن ذلك أمر مستحيل و قد قلت ذلك من قبل في مقال سابق من هذه ( الاستفهامات ) وقد قدمت مبررات ذلك وما أرى من وصفة ناجزة يمكن أن تدفع بنا بعيداً من شبح الانهيار و تقودنا الي حالة أقرب إلى التعافي المنشود.
خلال الأيام الماضية و عقب صدور توصيات اللجنة التي تراسها وزير الدفاع الفريق حسن كبرون نرى هناك وميض من أمل فى مؤخرة هذا النفق المظلم ذلك أن توصياتها لامست جوانب من رؤيتنا التي دفعنا بها في المقال السابق من ( إستفهامات ) و المشار إليه و لكني اُعيد التذكر بما ورد فيه بشأن أهم مرتكز أساسي لرؤية الحل الصائب المرتجي هو أن يتم على الفور إعلان حالة طوارئ إقتصادية بلائحة قانونية تحظر التعامل فى النقد الأجنبي إلا وفق الأطر التي تحددها اللائحة و ذلك وفق إجراءات قانونية ناجزة ورادعة بنيابات خاصة تحت إشراف النيابة العامة و محاكم خاصة تحت إشراف السلطة القضائية في كل الولايات ، ذلك أن فشل الإجراءات الحكومية السابقة كانت بسبب أن ( مافيا ) سوق العملات الأجنبية الموازي تتخبي خلف سياسات التحرير الاقتصادي التي حققت نجاحات كبيرة خلال حقبة إنتاج و تصدير النفط في عهد نظام الإنقاذ ولكن بعد انفصال الجنوب تراجعت نحاحاتها كثيراً جداً بعد خروج عوائد صادرات البترول من إيرادات و موازنة الدولة و بل من المعادلة الاقتصادية برمتها و مؤخراً لم تتمكن عائدات الذهب من ملء الفراغ الذي خلفه غياب عائدات الصادرات النفطية المشار إليه وذات الطينة بلة المتطلبات العسكرية و اللوجستية لهذه الحرب وإحتياجات اعادة الإعمار في مقابل تراجع مريع لعائدات صادرات السلع الأخرى غير ( المعدن النفيس ) كون الذهب هو المصدر الأساسي الذي يُعول عليه حالياً في إيرادات الدولة و موازنتها العامة.
قد يقول قائل لماذا لا يتم تحرير سوق التعامل في النقد الأجنبي وفق العرض والطلب لنضمن إختفاء( السوق الأسود ) ولكني اقول هذه النظرية تتطلب توافر وراد مستدام من النقد الأجنبي يكفي لكآفة إحتياجات الموردين و المتطلبات الاخري للعلاج والتعليم وغيرها أما تطبيقها في راهن هذه الأوضاع الاقتصادية الحرجة يعتبر تصرف جنوني يفتقد للرشد والحكمة و يقود من يتبناه و يسعى الي انفاذها دون غطاء وافر ومتواصل من موارد النقد الأجنبي الي مصحة الأمراض العقلية او الانتحار المستعجل.
الي لقاءٍ قادم إن شاء الله كونوا بالف خير و عافية .. مع فائق ودى و إحترامي




