*من أعطى شيوخ الخلاوي مفتاح أجساد الأطفال؟*

 

منذ متى أصبحت أبواب الخلاوي أغلظ من أبواب الدولة؟ ومنذ متى أصبح الشيخ محصناً من السؤال والمساءلة؟ ومنذ متى أصبح الطفل الحلقة الأضعف التي يطلب منها الجميع الصمت حتى لا تنكشف الحقيقة؟ أسئلة ليست للزينة ولا للجدل وإنما لفتح ملف ظل طويلاً محاطاً بالخوف والمجاملة والقداسة الاجتماعية ملف أطفال يدخلون الخلاوي بحثاً عن العلم وحفظ القرآن ثم يخرج بعضهم بذاكرة مثقلة بالخوف وآثار العنف والإهانة وما سمعته من أطفال كانوا يوماً طلاباً في الخلاوي لا يسمح لي بالتعامل مع هذه الشهادات باعتبارها قصصاً عابرة أو مبالغات صحفية بل يجعلها شهادات تستحق التحقيق والتدقيق والمواجهة لأن الطفل الذي يتحدث عن تجربة عاشها لا يحتاج إلى خطبة دفاعية وإنما يحتاج إلى من يسمعه ومن يحقق فيما قاله ومن يحاسِب من تثبت مسؤوليته وهنا تحديداً تقع الدولة في قلب السؤال لا على هامشه فأين وزارة الشؤون الدينية والأوقاف من هذا الملف وما هو دورها الحقيقي في الرقابة على الخلاوي التي تستقبل الأطفال وهل وظيفة الوزارة أن تظهر في المناسبات وتزور المؤسسات وتلتقط الصور وتغادر أم أن مسؤوليتها تبدأ عندما يدخل الطفل من باب الخلوة وتستمر حتى يخرج منها آمناً؟ الكرسي الوزاري ليس للوجاهة ولا للرفاهية ولا للرحلات الترفيهية ولا لإدارة المناسبات البروتوكولية الكرسي تكليف ومسؤولية ومن يجلس عليه عليه أن يذهب إلى أماكن الخطر لا إلى الأماكن التي تستقبله بالتصفيق فإذا كانت الوزارة مسؤولة عن هذا القطاع فعليها أن تقول لنا كم خلوة تعمل ومن يراقبها ومن يفتشها ومن يتحقق ممن يتولى التعامل مع الأطفال ومن يستقبل شكوى الطفل ومن يحقق فيها ومن يملك قرار إغلاق الخلوة عندما يثبت أنها أصبحت خطراً على الأطفال لأن الترخيص ليس صك براءة والصفة الدينية ليست حصانة والعمامة لا تمنح صاحبها سلطة على جسد طفل ولا حقاً في إذلاله أو تعذيبه أو إسكات صوته والشيخ الذي يؤدي رسالته بأمانة واحترام لا يخشى الرقابة ولا يخشى السؤال أما من يريد أن يجعل من مكانته الدينية جداراً يحجب الحقيقة فعليه أن يعرف أن زمن الحصانات الاجتماعية يجب أن ينتهي وإذا ثبت أن شخصاً استغل سلطته على الأطفال في العنف أو الاستغلال أو الاعتداء الجنسي فالمكان الطبيعي له ليس مجلس المجاملة ولا جلسة الصلح المغلقة بل التحقيق والقانون والقضاء ولا نريد أن تتحول عبارة الستر إلى مقبرة لحقوق الأطفال فالستر على الجريمة ليس فضيلة والصمت عن المعتدي ليس حكمة وحماية سمعة الخلوة لا تكون بدفن ما يحدث داخلها وإنما بمنع الجريمة ومحاسبة مرتكبها وإذا كانت هناك ادعاءات بوجود من يستغلون الصفة الدينية لتحقيق نزواتهم أو مصالحهم تحت غطاء الخلوة فهذه ادعاءات يجب أن تُحقق فيها الجهات المختصة لا أن تُدفن خوفاً من إغضاب أحد لكن الصحافة أيضاً لا تمنح صكوك إدانة مجانية فمن يُتهم يُحقق معه ومن تثبت إدانته يُحاسب ومن تكون الشهادة بحقه غير صحيحة تُكشف الحقيقة وهذه هي المهنية التي يجب أن تسبق الصراخ ولكن المهنية لا تعني الصمت ولا تعني دفن شهادات الأطفال تحت شعار لا تشوهوا الخلاوي لأن المؤسسة المحترمة لا تخاف من التحقيق والخلوة الآمنة لا تخشى التفتيش والشيخ الذي لا يؤذي الأطفال لن يعتبر السؤال إهانة بل حماية لرسالته والدولة التي تريد حماية الخلاوي عليها أن تحميها أولاً من الذين يسيئون إليها وإذا كانت الوزارة جادة فعليها أن تبدأ من الطفل لا من الشيخ وأن تسأل الطفل بعيداً عن سلطة من يشرف عليه هل أنت آمن هنا هل تتعرض للضرب هل تخاف من أحد هل تستطيع أن تشتكي هل تعرف إلى من تلجأ إذا تعرضت للأذى لأن هذه الأسئلة أهم من كل الأوراق والأختام والزيارات الرسمية والدولة التي لا تسمع الطفل لا تستطيع أن تدعي أنها تحميه والأهل أيضاً ليسوا خارج دائرة المسؤولية فمن يسلم ابنه إلى الخلوة لا يسلمه معها حقه في السؤال والمتابعة والثقة لا تعني الغياب واحترام الشيخ لا يعني تعطيل العقل ولا يجوز أن تصبح عبارة الشيخ أدرى ذريعة لترك الطفل وحيداً خلف باب مغلق على الأسرة أن تسأل وأن تستمع وأن تلاحظ التغير في سلوك الطفل وأن تتعامل مع الخوف باعتباره إشارة تستحق الفهم لا باعتباره دلالاً أو تمرداً لأن الطفل قد لا يملك الكلمات لكنه يستطيع أن يصرخ بصمته والدولة مطالبة بأن تفهم أن حماية الطفل ليست موسماً ولا شعاراً ولا بنداً في خطاب رسمي حماية الطفل تعني أن يكون هناك تفتيش حقيقي وشكاوى آمنة وتحقيق مستقل ومحاسبة واضحة وإغلاق لأي مكان يثبت أنه يعرض الأطفال للخطر وهنا يجب أن يكون الكلام قاسياً لأن القضية قاسية إذا كانت الوزارة لا تعرف ماذا يحدث داخل الخلاوي فهذه مشكلة وإذا كانت تعرف ولا تتحرك فالمشكلة أكبر وإذا كانت تملك السلطة ولا تستخدمها لحماية الأطفال فالسؤال يصبح مشروعاً عن جدوى وجود هذه الرقابة أصلاً الكرسي الذي لا يصل إلى الطفل ليس سلطة والوزارة التي لا تستطيع حماية طفل لا تستطيع أن تطلب منا تصديق أنها تحمي الطفولة والخلوة التي يثبت أنها تؤذي الأطفال يجب ألا تحتمي باسمها والشيخ الذي تثبت إساءته يجب ألا تحميه عمامته والأسرة التي تعرف بوجود الانتهاك ثم تصمت عليها أن تدرك أن الصمت قد يترك طفلاً آخر في دائرة الخطر نحن لا نهاجم القرآن ولا نحاكم التعليم الديني ولا نضع كل الخلاوي في سلة واحدة وإنما نرفض أن يكون الدين ستاراً يمنع التحقيق ونرفض أن تتحول الخلوة إلى منطقة محرمة على القانون ونرفض أن يكون الشيخ أكبر من السؤال ونرفض أن يدفع الطفل وحده ثمن خوف الكبار ومجاملاتهم ولهذا فإن أصوات الأطفال الذين كانوا يوماً طلاباً في الخلاوي يجب ألا تُقابل بالإنكار التلقائي بل بالتحقيق لأن الحقيقة لا تخاف من التحقيق وإذا كانت الادعاءات خاطئة فلتسقطها الأدلة وإذا كانت صحيحة فليحاسب المسؤول عنها ومن هنا فإن السؤال لم يعد موجهاً إلى الخلوة وحدها وإنما إلى الدولة بأكملها ماذا تفعلون لحماية هؤلاء الأطفال ومن يراقب من يراقبهم ومن يغلق الخلوة التي يثبت أنها أصبحت خطراً ومن يحاسب الشيخ الذي يثبت أنه خان الأمانة ومن يضمن ألا تتحول الشكوى إلى عقوبة جديدة على الضحية نحن لا نريد وزارة تتذكر الخلاوي في المناسبات وتنسى الأطفال في الأزمات ولا نريد شيوخاً يطلبون الاحترام ثم يرفضون المساءلة ولا نريد أهالي يسلّمون أبناءهم ثم يسلّمون معهم حقهم في السؤال نريد شيئاً واحداً فقط دولة تقوم بواجبها وشيخاً يعرف حدود سلطته وأسرة لا تخاف من حماية طفلها وقانوناً لا يعرف العمامة ولا اللقب ولا المكانة ولا المجاملة لأن الطفل عندما يدخل الخلوة لا يدخلها منزوع الحقوق يدخلها مواطناً له كرامة وله جسد وله حق في الأمان وإذا عجزت الدولة عن ضمان ذلك فعليها أن تجيب عن السؤال الذي لن تغلقه أبواب الخلاوي ولن تخفيه العمائم ولن تدفنه البيانات من يحمي أطفال الخلاوي عندما تصمت الأسرة وتتراجع الدولة ويتحول بعض أصحاب السلطة الدينية إلى حراس لباب لا يريدون لأحد أن يفتحه؟

مقالات ذات صلة