كيف تُبنى الدولة الحديثة بين تجفيف منابع المال المشبوه واستعادة الهوية الحضارية؟
يبدو عنوان «الدولة الحديثة.. يوافق عليها الحوثي؟» للوهلة الأولى مفارقة سياسية تستحق التوقف؛ فإذا كانت الدولة الحديثة تقوم على المؤسسات وسيادة القانون واحتكار الدولة للسلاح والشفافية المالية والمواطنة، فكيف يمكن أن تلتقي هذه المفاهيم مع خطاب جماعة مسلحة أو كيان يعمل خارج الإطار المؤسسي للدولة؟
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق النقاش: الموافقة على مفهوم الدولة الحديثة لا تُقاس بالشعارات، وإنما بالممارسة والقدرة على احترام مؤسسات الدولة والقانون والسيادة الوطنية.
ولا يمكن الحديث عن بناء الدولة الحديثة وحماية استقلال مؤسساتها بمعزل عن جذورها الثقافية والقيمية وهويتها الوطنية. فالدولة التي تمتلك رؤية استراتيجية واضحة وقابلة للتجدد لا تكتفي بإدارة الأزمات أو الاستجابة للأحداث، بل تمتلك القدرة على صناعة المبادرة وتوظيف مقوماتها الحضارية في بناء مستقبل أكثر استقرارًا واستدامة.
ومن هنا، فإن استعادة الهوية الوطنية لا ينبغي أن تتحول إلى شعار سياسي أو أداة للاستقطاب، وإنما إلى مصدر للقيم التي تعزز العلم والعمل والانضباط المؤسسي واحترام القانون، وتدعم بناء دولة حديثة قادرة على حماية مواطنيها ومصالحها.
أصالة عصية على التجريف والتسييس
مهما بلغت محاولات التجريف والتسييس التي قد تمارسها جماعات أو كيانات موازية، عبر استغلال الفساد الاقتصادي أو ضخ الأموال غير المشروعة، فإن الأصول الثقافية والعلمية للمجتمع تظل قادرة على الصمود أمام محاولات الطمس والتحريف.
وقد تنجح هذه الكيانات في تعطيل التنمية وإضعاف المؤسسات وإطالة أمد الصراعات، لكنها لا تستطيع اقتلاع الجذور الحضارية للمجتمع.
ومن ثم، فإن استعادة الدولة لا تعني فقط استعادة السيطرة الإدارية والأمنية، بل تعني أيضًا إعادة الاعتبار للمؤسسات الرسمية، وإطلاق طاقتها في خدمة المواطن، وإغلاق المساحات التي تنمو فيها البنى الموازية للدولة.
التمويل غير المشروع.. شريان يغذي اقتصاد الظل
تزداد خطورة التمويل غير المشروع عندما يتحول إلى مصدر قوة لكيانات مسلحة أو شبكات اقتصادية تعمل خارج الأطر القانونية، إذ يمكن أن يسهم المال المشبوه في شراء الولاءات وتمويل العنف وإضعاف مؤسسات الدولة وخلق اقتصاد موازٍ يصعب ضبطه.
لذلك، فإن تجفيف منابع التمويل غير المشروع لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراءً ماليًا فقط، بل باعتباره جزءًا من معركة أوسع لحماية الدولة والمجتمع، من خلال:
تقويض النفوذ القسري: منع توظيف المال في شراء الولاءات أو ممارسة الابتزاز، وتعزيز الرقابة على التدفقات المالية المشبوهة.
حماية كرامة المواطن: ضمان ألا تتحول الخدمات الأساسية وفرص العمل والمساعدات إلى أدوات للمساومة السياسية أو فرض الولاءات.
حوكمة القطاعات الحيوية: تعزيز الشفافية والإفصاح والرقابة على القطاعات الأكثر عرضة لغسل الأموال والتهريب والاقتصاد غير الرسمي.
تعزيز سيادة القانون: إخضاع النشاط الاقتصادي والمالي للقواعد والمؤسسات الرسمية، دون استثناءات تفتح الباب أمام اقتصاد الظل.
السعودية.. تجربة تجمع بين الأصالة وريادة المستقبل
تبرز المملكة العربية السعودية، في السنوات الأخيرة، بوصفها نموذجًا لافتًا في محاولة الجمع بين الهوية الوطنية من جهة، ومشروعات التحديث والتحول الاقتصادي والتقني من جهة أخرى.
فقد ارتبطت مسارات التحول في المملكة بتوسيع مجالات الاقتصاد، وتعزيز التحول الرقمي، وتطوير القدرات البشرية، ورفع كفاءة المؤسسات، إلى جانب حضور دبلوماسي متزايد في الملفات الإقليمية والدولية.
وتكشف هذه التجربة، بصرف النظر عن تقييم تفاصيلها السياسية والاقتصادية، عن حقيقة أساسية: أن قوة الدولة في الخارج تبدأ من قدرتها على بناء مؤسسات مستقرة وفعالة في الداخل، وإدارة مواردها وفق قواعد واضحة، وتحقيق نتائج ملموسة للمواطن.
الدولة الحديثة ليست ضد الهوية
المعضلة ليست في الجمع بين الحداثة والأصالة، وإنما في تحويل أي منهما إلى خصم للآخر.
فالدولة الحديثة لا تعني بالضرورة القطيعة مع التاريخ والهوية، كما أن الحفاظ على الهوية لا يعني رفض التطور أو الانغلاق أمام العالم. الدولة القوية هي التي تستطيع أن تستفيد من تراثها وقيمها، وفي الوقت نفسه توظف العلم والتكنولوجيا والإدارة الحديثة لبناء مؤسسات أكثر كفاءة وعدالة.
وهنا تبرز أهمية الفصل بين الدولة ومصالح الجماعات والكيانات الموازية لها؛ فالدولة الحديثة تقوم على مؤسسات وقوانين ومواطنة متساوية، لا على الولاءات الشخصية أو شبكات النفوذ أو مصادر التمويل غير الخاضعة للرقابة.
خاتمة
إن استعادة الدولة وحصانة مؤسساتها ليستا مجرد خطط إدارية أو تقارير مرحلية، بل مشروع وطني وحضاري متكامل.
وإذا كان تجفيف مصادر التمويل غير المشروع يمثل خطوة ضرورية لتقليص نفوذ الاقتصاد الموازي، فإن بناء المؤسسات القوية، وحماية سيادة القانون، وتعزيز العلم والتنمية، واستعادة الثقة بين المواطن والدولة، تمثل الوجه الآخر للمشروع ذاته.
فالدولة الحديثة التي تستحق البقاء ليست دولة تقاوم التغيير، ولا دولة تتخلى عن هويتها، وإنما دولة تعرف جذورها، وتفهم عصرها، وتحمي مؤسساتها، وتضع الإنسان في قلب مشروعها.
وفي نهاية المطاف، لا يكفي أن توافق أي جماعة أو جهة على شعار «الدولة الحديثة»؛ فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتحول الموافقة إلى ممارسة: سلاح تحت سلطة الدولة، ومال تحت رقابة القانون، ومؤسسات فوق الولاءات، ومواطن فوق الحسابات السياسية.



