*إصلاح الشهادة السودانية: من أزمة الأرقام إلى صناعة المهارة ​بقلم: وليد دليل – خبير مصرفي*

​تكشف القراءة المتأملة في نتائج امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في دوراتها الأخيرة عن مفارقة حادة تعكس عمق الأزمة التي تعيشها منظومة التعليم العام في البلاد. فخلف نسبة النجاح العامة التي تتأرجح عادة حول تسعة وستين بالمئة، وتعلن معها عبور نحو ثلاثمئة وثمانين ألف طالب من أصل أكثر من خمسمئة وخمسين ألف جالس للامتحانات، تتوارى واقعة اقتصادية وتربوية مؤلمة تتجسد في ضخامة الفاقد البشري والمهاري الذي يستقبله الشارع سنوياً. إن النظر الدقيق إلى خريطة التوزيع الإحصائي للقبول الجامعي يوضح حقيقة مريرة؛ إذ لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية للجامعات الحكومية قاطبة ما نسبته أربعة عشر بالمئة فقط من إجمالي المتقدمين للامتحان، بحد أقصى يقارب أربعة وثمانين ألف مقعد، ليجد باقي الناجحين أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما الالتحاق بالتعليم الخاص الذي يستوعب نحو اثنين وعشرين بالمئة بتكاليف مالية باهظة ترهق كاهل الأسرة السودانية، أو الانضمام إلى الكتلة الحرجة من “الفاقد الأكاديمي” الذي يضم أكثر من ثلاثة وثلاثين بالمئة ممن نجحوا في الشهادة لكنهم عجزوا عن مواصلة دراستهم الجامعية أو دخول سوق العمل المنظم.
​وعند إضافة نسبة الرسوب المباشر التي تتجاوز ثلاثين بالمئة سنوياً، وتضم أكثر من مئة وسبعين ألف طالب يخرجون من الباب الخلفي للمنظومة دون أدنى تأهيل حرفي أو مهني، نكتشف أن ما يقرب من ثلثي طلاب كل دفعة يمثلون فاقداً تربوياً واقتصادياً كاملاً. وتبدو المشكلة الجوهرية هنا قائمة على الاعتماد على نظام الفرصة الواحدة والامتحان الفاصل، حيث يُقاس تحصيل سنوات كاملة في ساعات معدودة، ضمن نظام يتوزع بين مسارين تقليديين هما العلمي والأدبي، دون أدنى اعتبار للتخصصات الحديثة التي يقود بها العالم اقتصاده اليوم. إن هذا الانفصال التام بين المخرجات التعليمية والواقع يجعل مئات الآلاف من الشباب يندفعون نحو تخصصات نظرية مستهلكة، في حين تبحث القطاعات الاقتصادية والمؤسسات المصرفية والمالية عن كوادر تمتلك الفكر التحليلي والوعي الرقمي وأساسيات إدارة الأعمال منذ مراحلها التأسيسية الأولى، وهو ما يفرض بالضرورة الشروع في تطوير هيكلي شامل لمناهج ووسائل تقييم الشهادة السودانية.
​إن التطوير المنشود ينبغي أن يتحرك نحو تفكيك الجمود الأكاديمي الحالي واستبداله بنظام مسارات تخصصية مرنة تبدأ بعد مرحلة تمهيدية عامة تُخصص لبناء المعارف والذكاءات الأساسية. ويتيح هذا التحول للطلاب من الصف الثاني الثانوي الاختيار بين تخصصات دقيقة تناسب تطلعاتهم، مثل هندسة الحاسب، والطب وعلوم الحياة، وإدارة الأعمال والاقتصاد، والآداب والفنون. كما يستلزم هذا التطوير تغيير فلسفة الامتحان نفسها، عبر إتاحة فرص متعددة للتقييم والتعديل على مدار العام، مما يرفع عن كاهل الأسرة والمجتمع الضغط النفسي الشديد، ويحول الثانوية العامة من محطة تصفيات إجبارية تقذف بالآلاف إلى هامش البطالة، إلى جسر تأهيلي مرن يربط بين التحصيل المعرفي واحتياجات السوق الفعلية.
​إن إعادة صياغة الشهادة السودانية وفق هذه الرؤية المتقدمة لم تعد مجرد خيار تربوي متاح، بل أضحت ضرورة اقتصادية ملحة لإعادة بناء رأس المال البشري في السودان. فالمؤسسات الحديثة، وفي مقدمتها القطاع المصرفي والمالي، لم تعد في حاجة إلى حاملي نصوص محفوظة أو شهادات ورقية لا تضمن لصحابها مقعداً جامعياً أو فرصة عمل، بل إلى عقول مدربة أتقنت مبادئ البرمجة والتحليل المالي والتقنيات الحديثة في مقاعد الدراسة الثانوية؛ وهو الاستثمار الحقيقي الذي يضمن تحويل الطاقة الشبابية من فاقد تربوي معطل إلى محرك أساسي للتنمية والإنتاج.

مقالات ذات صلة