*الجالية السودانية في مصر ليست ساحةً للانقسام… بل بيتٌ واحد يحتاج إلى هندسة اجتماعية بقلم: د. سعاد فقيري*

 

قرأت باهتمام حديث الأخ العزيز عن «تحالف مستقبل الجالية»، وعن أن المطلوب هو أن نتعرف على أهداف التحالف قبل أن نرحب به أو نرفضه.
وهذا كلامٌ من حيث المبدأ لا خلاف عليه؛ فكل مبادرة مجتمعية من حقها أن تشرح أهدافها، وكل سوداني من حقه أن يسأل ويستوضح ويناقش.
لكن السؤال الأكبر الذي ينبغي أن نطرحه جميعًا هو:
هل نحن في حاجة إلى كيان جديد، أم أننا في حاجة إلى إصلاح البيت القائم؟
وهنا يبدأ جوهر القضية.
الجالية السودانية في مصر ليست وليدة اليوم
المجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر ليس كيانًا ظهر بالأمس، وإنما هو نتاج تراكم طويل من العمل المجتمعي للجمعيات والروابط والنوادي وأبناء الجالية.
وقد لعبت مكونات الجالية عبر سنوات دورًا في قضايا التعليم والخدمات والتكافل والأنشطة الاجتماعية والثقافية، وارتبطت بعض هذه الجهود بالتعاون مع السفارة والجهات السودانية والمصرية.
بل إن مصادر منشورة سابقًا تحدثت عن تجمع الجمعيات والروابط السودانية تحت مظلة المجلس الأعلى للجالية السودانية.
إذن، عندما نختلف مع أداء مؤسسة أو نرى أنها تحتاج إلى تطوير، فإن السؤال الطبيعي ليس:
كيف ننشئ مؤسسة أخرى؟
بل:
كيف نُصلح المؤسسة الموجودة؟ وكيف نوسع قاعدة المشاركة فيها؟ وكيف نضمن الشفافية والمحاسبة وتجديد الدماء؟
هذه هي النقطة الفاصلة.
الاختلاف حق… ولكن الانقسام ليس قدرًا
أنا لا أضع التحالف الجديد في خانة الاتهام، ولا أريد أن أُصادر حق أعضائه في المبادرة أو التنظيم.
لكنني أقول بكل وضوح:
من حق أي مجموعة أن تنشئ مبادرة، ومن حقها أن تقدم رؤيتها، ولكن ليس من حق أحد أن يتعامل مع الجالية السودانية وكأنها بلا تاريخ أو مؤسسات أو ذاكرة.
وإذا كان هناك قصور في المجلس الأعلى، فليكن النقاش حول هذا القصور.
وإذا كانت هناك ثغرات قانونية أو تنظيمية، فلنضع المقترحات أمام الجمعية العمومية.
وإذا كان هناك ضعف في آليات الرقابة، فلنقوِّ الرقابة.
وإذا كان هناك احتياج إلى انتخابات أكثر شفافية، فلنطالب بانتخابات أكثر شفافية.
وإذا كانت هناك حاجة إلى تجديد القيادات، فليكن التجديد عبر قواعد واضحة.
أما أن نُحوِّل الإصلاح إلى انقسام، فهنا نخشى أن نكرر المأساة السودانية داخل الغربة.
لقد تعب السودان من الانقسامات
السودان نفسه يدفع ثمن الانقسام.
انقسامات سياسية.
وانقسامات اجتماعية.
وانقسامات تنظيمية.
وحركات مسلحة.
وأحزاب متنازعة.
ومكونات تتجاذبها المصالح والاصطفافات.
فهل نريد أن نحمل هذه الأمراض معنا إلى مصر؟
هل نريد أن تتحول الجالية السودانية إلى نسخة أخرى من المشهد السوداني؟
متى نتعلم أن قوتنا في وحدتنا؟
السودانيون في مصر يحتاجون إلى جسم اجتماعي قوي، لا إلى أجسام متنافسة.
يحتاج الطالب إلى من يساعده.
والمريض إلى من يقف معه.
والأسرة إلى من يحمي مصالحها.
والمرأة إلى من يسمع صوتها.
والشباب إلى من يفتح أمامهم أبواب التدريب والعمل.
والرجل والمرأة وكبار السن والأطفال إلى خدمات حقيقية.
ويحتاج الجميع إلى صوت مجتمعي يستطيع أن يتحدث باسم القضايا المشتركة بعيدًا عن الاستقطاب.
هذه هي الأولوية.
لا نريد معركة على الكراسي
إذا كان الهدف هو خدمة الجالية، فليكن السؤال:
ماذا سنقدم للجالية؟
لا:
من سيقود الجالية؟
فالقيادة في العمل المجتمعي ليست غنيمة.
والمنصب التطوعي ليس ملكية شخصية.
والقيادة الحقيقية هي خدمة الناس، وقبول الرقابة، واحترام المؤسسات، والقدرة على التنحي عندما تأتي قيادة جديدة عبر آلية صحيحة.
وهنا أتفق مع صاحب المقال في نقطة مهمة: الأفراد يجب ألا يكونوا فوق المؤسسات.
لكن هذه القاعدة يجب أن تنطبق على الجميع.
فلا المجلس فوق النقد، ولا التحالف فوق النقد، ولا الجمعيات فوق النقد، ولا الأشخاص فوق النقد.
المؤسسة هي التي تبقى… والأشخاص يذهبون.
الإصلاح نعم… ولكن من داخل البيت
إذا كانت هناك رؤية لتطوير النظام الأساسي، أو تحديث اللوائح، أو إنشاء آليات مالية ورقابية، أو توسيع قاعدة العضوية، أو تنظيم الانتخابات، أو إدخال الشباب والنساء وأصحاب الكفاءات، فهذه كلها أفكار يمكن أن تكون محل نقاش جاد.
لكن الطريق الطبيعي هو أن تُطرح هذه الأفكار على القاعدة الجمعية التي يحق لها أن تناقشها وتقبلها أو تعدلها أو ترفضها.
وهنا يصبح الإصلاح إصلاحًا مؤسسيًا وليس مشروعًا لإنشاء مركز قوة جديد.
رسالة إلى السفارة السودانية بالقاهرة
وهنا أقولها بكل احترام للسفارة والقنصلية:
نحن لا نريد من السفارة أن تكون طرفًا في انقسام الجالية.
نريدها أن تكون بيتًا جامعًا للسودانيين جميعًا.
وقد أعلنت السفارة في منصتها الرسمية أن من خدماتها التعامل مع قضايا المواطنين، كما أن الجالية جزء أساسي من دائرة اهتمامها.
ولهذا فإن المطلوب من الدبلوماسية السودانية في القاهرة أن تكون على مسافة واحدة من كل المكونات المجتمعية، وألا تمنح أي مجموعة شرعية حصرية باعتبارها الممثل الوحيد للجالية قبل وجود أساس قانوني ومجتمعي واضح.
اللقاء مع المبادرات والجمعيات أمر طبيعي ومفيد.
والاستماع للجميع أمر مطلوب.
لكن الاستماع شيء، وصناعة الاستقطاب شيء آخر.
نريد من السفارة أن تجمع لا أن تفرق.
أن تقرب المسافات لا أن تزيدها.
أن تدعو المختلفين إلى طاولة واحدة.
وأن تقول للجميع:
نختلف داخل البيت، ولكن لا نهدم البيت.
نحتاج إلى «هندسة اجتماعية» جديدة
السودان اليوم في أمس الحاجة إلى مفهوم جديد اسمه:
«الهندسة الاجتماعية للجالية»
أي إعادة بناء العلاقات بين السودانيين على أساس:
المواطنة أولًا.
الخدمة أولًا.
القانون أولًا.
المؤسسة أولًا.
الشفافية أولًا.
لا قبيلة.
لا جهة.
لا حزب.
لا تيار.
لا منطقة.
لا مجموعة مغلقة.
ولا شخص فوق المؤسسة.
نريد مجلسًا يجمع السودانيين، لا مجلسًا يزيد عدد الكيانات المتنافسة.
ونريد جمعيات قوية تعمل في تخصصاتها، وتلتقي جميعها في مظلة جامعة.
ونريد أن يكون للشباب والنساء وأصحاب الخبرات مكان حقيقي في صناعة القرار.
ونريد آليات واضحة للانتخاب والمحاسبة والتجديد.
هذا هو الإصلاح الذي نحتاجه.
إلى الأخ صاحب المقال
أخي العزيز…
أنت تقول: «تعالوا نتفق».
وأنا أقول لك:
نعم… تعالوا نتفق.
نتفق ألا نُقصي أحدًا.
ونتفق ألا نتهم أحدًا بلا دليل.
ونتفق ألا نُنشئ كيانًا لمجرد منافسة كيان.
ونتفق أن الإصلاح حق للجميع.
ونتفق أن الجمعية العمومية هي صاحبة الكلمة في المؤسسات التي أنشأتها.
ونتفق أن كل قيادة قابلة للمحاسبة والتغيير.
ونتفق أن السودان في هذه المرحلة لا يحتمل مزيدًا من التشظي.
لكن قبل أن نسأل:
«ماذا يريد تحالف مستقبل الجالية؟»
علينا أن نسأل سؤالًا أهم:
«ماذا تريد الجالية السودانية نفسها؟»
وهذا السؤال لا تجيب عنه مجموعة واحدة.
ولا شخص واحد.
ولا سفارة.
ولا مجلس.
إنما تجيب عنه جموع السودانيين عبر آلية ديمقراطية ومؤسسية واضحة.
لا تجعلوا القاهرة نسخة من الخرطوم
لقد جاء السودانيون إلى مصر وفي أعناقهم هموم الوطن.
لكن لا ينبغي أن يحملوا معهم كل خلافاته.
مصر بالنسبة إلى السودانيين اليوم مساحة كبيرة للعيش والدراسة والعلاج والعمل والتكافل.
ولهذا يجب أن تكون الجالية السودانية في مصر نموذجًا لما نريد أن يكون عليه السودان بعد الحرب:
مجتمعًا يستطيع أن يختلف دون أن يتقاتل.
ويحاسب دون أن يهدم.
وينافس دون أن يقصي.
ويجدد دون أن ينقسم.
ويضع المؤسسة فوق الأشخاص.
كلمة أخيرة
ليس المطلوب أن نُسقط «تحالف مستقبل الجالية»، وليس المطلوب أيضًا أن نقدسه.
وليس المطلوب أن ندافع عن المجلس الأعلى دفاعًا أعمى، ولا أن نهاجمه لمجرد وجود خلافات.
المطلوب أن نضع الجميع تحت سقف واحد: سقف القانون والمؤسسية والمصلحة العامة.
فإن كانت لدى التحالف أفكار جديدة، فليقدمها.
وإن كانت لدى المجلس ملاحظات، فليقدمها.
وإن كان لدى الجمعيات والشباب والنساء وأصحاب الكفاءات مقترحات، فلتقدمها.
ثم نجلس جميعًا حول طاولة واحدة.
لأن الجالية السودانية في مصر أكبر من أن تكون ساحة صراع على المواقع.
وأكبر من أن تُختزل في مجموعة.
وأكبر من أن تصبح رهينة للأفراد.
الجالية بيتنا جميعًا…
ومن أراد إصلاح البيت، فليدخل من بابه، وليفتح نوافذه، وليوسع غرفه، وليقوِّ أساسه… لا أن يبني بيتًا آخر بجواره ثم يقول: تعالوا نرى أي البيتين أولى بالسكن!
نحن لا نحتاج إلى جالية جديدة…
نحن نحتاج إلى جالية أقوى.
ولا نحتاج إلى مزيد من الانقسامات…
نحتاج إلى هندسة اجتماعية تعيد للسودانيين معنى «نحن».
الوطن فوق الجميع… والجالية لكل السودانيين.

مقالات ذات صلة