*سوداني.. حين تتحول معاناة المواطن إلى فاتورة أرباح!.. بكرى خليفة*

 

زيادات صادمة في أسعار الإنترنت تتجاوز 125%.. والمواطن السوداني يدفع الثمن وسط الحرب والنزوح والغلاء

في بلدٍ مزقته الحرب، وشردت الملايين من أبنائه، وأثقلت كاهل مواطنيه الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، لم يكن المواطن السوداني بحاجة إلى صدمة جديدة تضاف إلى قائمة معاناته اليومية. لكن شركة سوداني للاتصالات اختارت، عبر زياداتها الأخيرة في أسعار باقات الإنترنت، أن تضع المشتركين أمام واقع أكثر قسوة، وسط تساؤلات غاضبة عن مبررات هذه القفزات السعرية التي تجاوزت، بحسب مقارنات متداولة، حاجز 125%.

فبينما يبحث المواطن عن لقمة العيش، ويكافح لتوفير الدواء ومستلزمات الحياة الضرورية، تأتي أسعار الإنترنت الجديدة لتفتح جبهة أخرى من الاستنزاف المالي، وكأن ما يعانيه السودانيون من ويلات الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل لم يكن كافيًا!

أسعار تقفز إلى أرقام فلكية!

وفقًا لقائمة الأسعار المتداولة والمنسوبة إلى شركة سوداني، فقد بلغت تكلفة بعض باقات الإنترنت الشهرية مستويات تثير الدهشة والاستياء:

– باقة 30 غيغابايت، بمعدل 1 غيغابايت يوميًا، بسعر 45 ألف جنيه.
– باقة 60 غيغابايت، بمعدل 2 غيغابايت يوميًا، بسعر 90 ألف جنيه.
– باقة 150 غيغابايت، بمعدل 5 غيغابايت يوميًا، بسعر 180 ألف جنيه.

هذه الأرقام وحدها كافية لطرح سؤال جوهري: كيف يمكن لمواطن فقد مصدر دخله بسبب الحرب، أو موظف يواجه ارتفاعًا متواصلًا في تكاليف المعيشة، أن يوفر عشرات الآلاف من الجنيهات شهريًا لمجرد البقاء متصلًا بالعالم؟

وإذا كانت إحدى الباقات قد ارتفعت من 20 ألفًا إلى 45 ألف جنيه، فإن ذلك يمثل زيادة بنسبة 125% دفعة واحدة، وهي قفزة تستوجب تفسيرًا واضحًا ومقنعًا من الشركة.

هل أصبح الاطمئنان على الأهل ترفًا للأغنياء؟

ربما تستطيع شركات الاتصالات النظر إلى الإنترنت باعتباره خدمة تجارية تخضع لحسابات التكلفة والإيرادات، لكن الواقع السوداني اليوم يفرض معادلة مختلفة تمامًا.

فالإنترنت لم يعد وسيلة للترفيه أو قضاء أوقات الفراغ، بل أصبح حبل الوصل الأخير بين ملايين الأسر التي فرقتها الحرب.

هناك أم في السودان لا تملك سوى مكالمة عبر الإنترنت لتطمئن على ابنها اللاجئ في مصر، وأب ينتظر رسالة من أسرته التي شردتها الحرب إلى إحدى دول الجوار، وأطفال لا يرون آباءهم إلا عبر شاشات الهواتف.

وهناك طلاب يحاولون إنقاذ مستقبلهم الدراسي عبر التعليم الإلكتروني، وشباب يعتمدون على الإنترنت في أعمالهم لتوفير احتياجات أسرهم.

فبأي حق يتحول التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة إلى عبء مالي ثقيل؟ ومن الذي قرر أن الاطمئنان على الأحباب يجب أن يخضع لهذه الزيادات القاسية؟

إن رفع أسعار الإنترنت في هذه الظروف لا يمكن النظر إليه بمعزل عن المأساة الإنسانية التي يعيشها السودانيون.

المواطن ليس خزينة مفتوحة!

من حق شركة سوداني، شأنها شأن أي مؤسسة تجارية، أن تسعى إلى تغطية تكاليف تشغيلها وتحقيق عائد يضمن استمرار خدماتها.

لكن هذا الحق لا يلغي مسؤوليتها تجاه المجتمع، ولا يعفيها من تقديم تفسيرات شفافة لزيادات بهذا الحجم.

فهل ارتفعت تكاليف التشغيل بنسبة توازي الزيادة المفروضة على المشتركين؟ وهل توجد دراسات اقتصادية تبرر هذه الأسعار؟ وهل أخذت الشركة في اعتبارها الظروف المعيشية الاستثنائية التي يمر بها المواطن السوداني؟

أم أن المواطن أصبح الحلقة الأضعف التي يمكن تحميلها المزيد من الأعباء كلما اقتضت حسابات الشركات ذلك؟

إن هذه الأسئلة ليست اتهامات، بل مطالب مشروعة بإجابات واضحة، خصوصًا في ظل غياب تفسير معلن يبدد مخاوف المشتركين ويشرح الأسس التي بُنيت عليها الأسعار الجديدة.

غضب شعبي.. ودعوات لمقاطعة سوداني

لم تمر هذه الزيادات دون ردود فعل غاضبة، إذ عبّر عدد كبير من المواطنين عن استيائهم الشديد من الأسعار الجديدة، بينما شهدت منصات التواصل الاجتماعي دعوات لمقاطعة شركة سوداني احتجاجًا على ما وصفه مستخدمون بالزيادات المبالغ فيها.

وهذه الدعوات، بصرف النظر عن مدى انتشارها أو تأثيرها الفعلي، تحمل رسالة ينبغي أن تتوقف عندها إدارة الشركة.

فثقة المشتركين ليست حقًا مكتسبًا إلى الأبد، وولاء العملاء لا يُبنى بالإعلانات والشعارات وحدها، بل بالاحترام والشفافية ومراعاة الظروف التي يعيشونها.

والشركة التي تقدم خدماتها لمجتمع يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في تاريخه مطالبة بأن تضع المسؤولية الاجتماعية في صميم قراراتها، لا في صفحاتها الإعلانية فقط.

أين الهيئة القومية للاتصالات؟

وفي خضم هذا الجدل، لا يمكن إعفاء الجهات المنظمة لقطاع الاتصالات من مسؤولية النظر في شكاوى المواطنين ومراجعة الأسس التي تستند إليها الزيادات.

فأين دور الهيئة القومية للاتصالات في حماية حقوق المشتركين وضمان شفافية التسعير؟

وهل خضعت هذه الزيادات للمراجعة وفق الإجراءات المنظمة للقطاع؟

وهل توجد آليات واضحة يستطيع المواطن من خلالها الاعتراض على الأسعار أو تقديم شكوى بشأنها؟

إن حماية المستهلك لا ينبغي أن تكون مجرد نصوص ولوائح، بل ممارسة فعلية تضمن التوازن بين مصالح الشركات وحقوق المواطنين.

رسالة أخيرة إلى إدارة سوداني

إن السودانيين لا يطلبون المستحيل، ولا يطالبون شركات الاتصالات بالعمل دون مقابل، لكنهم يرفضون أن تتحول الخدمات الأساسية إلى عبء يفوق قدرتهم على الاحتمال.

لقد فقد المواطن السوداني خلال هذه الحرب الكثير؛ فقد منزله، وعمله، ومدخراته، وأمنه، واستقراره، وتفرقت أسرته بين المنافي ومخيمات النزوح.

فهل يُراد له الآن أن يفقد حتى قدرته على سماع أصوات أحبائه؟

إن المطلوب من إدارة سوداني ليس المزيد من العبارات التسويقية، وإنما مراجعة جادة لهذه الزيادات، وتوضيح أسبابها للرأي العام، وتقديم باقات بأسعار تراعي محدودي الدخل والأسر المتضررة من الحرب.

كما أن على الجهات الرقابية أن تتحرك بصورة واضحة وشفافة، وأن تتعامل مع شكاوى المواطنين باعتبارها قضية تمس خدمة أساسية، لا مجرد خلاف تجاري عابر.

إن المواطن السوداني ليس خزينة مفتوحة لتعويض الأزمات، ولا رقمًا في حسابات الأرباح، ولا طرفًا يمكن تجاهل معاناته إلى ما لا نهاية.

ولعل الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى إدارة سوداني واضحة وبسيطة:

ارحموا هذا الشعب الذي أنهكته الحرب، ولا تجعلوا من حاجته إلى التواصل مع أهله وأحبائه فرصة لإثقال كاهله بالمزيد من الأعباء.

فإذا كانت الحرب قد فرّقت السودانيين جغرافيًا، فلا تجعلوا أسعار الإنترنت المرتفعة تزيد المسافات بينهم.

مقالات ذات صلة